‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة تأثير الصراع على الأطفال في اليمن أهمية التوعية المجتمعية بضرورة الدعم النفسي للأطفال أثناء الصراع

أهمية التوعية المجتمعية بضرورة الدعم النفسي للأطفال أثناء الصراع

صوت الأمل – حنان حسين

ليلى (اسم مستعار)، طفلة تبلغ من العمر 16 عامًا، من محافظة الحديدة، اعتادت روتين الحياة الهادئة، كعادتها أن تتوجه كل يوم إلى مدرستها برفقة والدها في سيارته، وفي أحد الأيام من العام 2015م، قامت كعادتها وتجهزت للذهاب إلى مدرستها، وفي الطريق تعرضوا لحادث إطلاق نار نتيجة الاشتباكات المسلحة، وشاءت الأقدار أن تنجو ليلى ووالدها من الموت، بدون أي أضرار جسدية، لكن كان الضرر النفسي أشد وطأة، فقدت الفتاة القدرة على النطق، وأصابتها بعد ذلك حالة من التبلد، وأصبحت ترتجف خوفًا عند سماع صوت أي إطلاق نار، أصبح القلق نمط حياتها.

ليلى تحسنت حاليًا بعد مضي تسعة أعوام تقريبًا من تعرضها للموقف الذي جعلها تدخل في صدمة نفسية عميقة، لكنها ما زالت تعاني من آثار سلبية عديدة على مجمل حياتها، منها تأخرها في التعليم الذي جعلها تتأخر على أقرأنها بعامين، لم تدرس خلالهما بسبب هذه الصدمة، والضرر الآخر هو حالة الهلع والخوف التي تصيبها عند سمعها أي صوت قوي، فتشعر أنّه سيحدث انفجار.

تعدُّ ليلى واحدة من مئات أطفال اليمن الذين عانوا من صدمات وأضرار نفسية عميقة، تكبر معهم وبداخلهم وتقض مضاجعهم، والسبب هي النزاعات والصراعات. فنجد أن الصراعات المسلحة لها آثار مدمرة على جميع قطاعات المجتمع، بما في ذلك الأطفال؛ فقد يتعرضون للتهديدات الأمنية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، ممّا قد يؤدي إلى معاناتهم العديد من المشكلات النفسية، مثل القلق والاكتئاب والصدمات.

الدعم النفسي للأطفال

جمانة عبد الله -مدربة تربية وتأهيل نفسي- تتحدث عن أهمية الدعم النفسي للأطفال قائلة: “الأطفال هم الأكثر تأثرًا؛ كونهم يدركون ما يحدث حولهم من خلال مشاعرهم، فمن الأخطاء الشائعة معاملة الأطفال بتجاهل؛ كون الفكر المجتمعي يرى بأنّهم غير مدركين لما يحدث، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا”.

وتضيف المعالجة النفسية: “دعم الأطفال بجميع المراحل والأزمنة، ولا سيّما في مدّة النزاعات المسلحة والصراعات، مهمّ للغاية”.

جمانة في حديثها عن الكيفية التي يجب القيام بدعم الأطفال خلال مُدّة الصراع، أضافت: “يجب أولًا طمأنة الأطفال، وتوعيتهم لما يحدث، والشرح لهم بأنّ البلاد تمر بمرحلة سياسية حرجة وصراع، وتعريفهم بمخاطر الصراعات وعواقبها”.

” الأطفال هم الرهان الأول لبناء وطن جريح من أثر الأزمات والنزاعات، لذلك يجب احتواؤهم وتشجعيهم وتعليمهم كيفية حماية أنفسهم، لتجنيبهم صدمات الخوف والفقد، وأيضًا تنشئتهم على فهم واعٍ ومعرفة بما يحدث حولهم”، حسب تصريح جمانة.

أشكال الأضرار النفسية

تتحدث جمانة عن أبرز أشكال الأضرار النفسية التي لحقت بالأطفال، بقولها: “الأضرار النفسية للأطفال توالت منذ بدء الصراعات الداخلية في البلد، وتمثلت في ضعف التعليم، والخوف، ونقص الموارد، وبالتالي النقص في طلبيات احتياجاتهم الأساسية”.

وتضيف: “نزوح بعضهم وانتقالهم من بيئاتهم الاعتيادية لبيئات أخرى، تسبب لهم الإحساس بالغربة والوحشة، وجرى ابتعادهم عن أصدقائهم ومناطقهم التي ألفوها، فضلًا عن صدمات الفقد التي تعرض لها كثيرون، إما بسبب فقدان الموارد أو فقدان الأشخاص من أسرهم”.

ندى الصوملي، تؤكد أنّ هناك أسبابًا كثيرة، للإصابة بصدمة نفسية، منها ما يصيبه عند تعرضه لأذى جسدي نتيجة الصراعات، مثلًا: بتر أحد أعضائه أو فقدان أحد أقربائه، وهذا يوثر بشكل كبير على شخصيته ومسار حياته النفسية بأكملها.

وهذا ما تؤكده القاضية الدكتورة ضياء خالد محيرز، عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بقولها: “الأطفال الذين تعرضوا لبتر أطرافهم نتيجة للألغام التي زرعتها الجماعات المسلحة، والأطفال المجندون الذين خضعوا لدورات ثقافية ودينية طائفية استنادًا لبعض الأيديولوجيات، ومن ثم خضعوا للتدريب العسكري وزج بهم في القتال، ضحايا؛ وهذا ما شكل انتهاكًا وتعديًا خطيرًا على الحماية الخاصة التي أقرها القانون الوطني والدولي للطفل”.

التوعية المجتمعية بأهمية الدعم النفسي

تلعب التوعية المجتمعية دورًا مهمًّا في دعم الأطفال نفسيًا في أثناء النزاعات وما بعدها، لما تتركه من أثر في نفسية كثير من الأطفال.

 آزال الثور، مدربة التربية الإيجابية واستشارية التحفيز، تتحدث عن أهمية التوعية المجتمعية بقولها: “الطفل لا يستطيع أن يعبر عن حزنه ومشاعره كما يفعل البالغون، فعند تعرضه لموقف حزن أو خوف نجده يلعب، ونظن أنّه لا يعاني ولا يشعر، وهذا المفهوم خاطئ”.

وتضيف آزال: “لدينا أمية عاطفية، لدى الكبار قبل الصغار، لذلك يجب أن نرفع الوعي بأهمية تعلم لغة المشاعر، كي ننشئ جيلًا قويًّا نفسيًّا ذا متانة نفسية، ليستطيع أن يواجه الظروف الصعبة من دون أذى نفسي شديد. ويجب على الأهالي أن يتعلموا كيف يمكنهم التعامل مع مشاعر الأطفال واحتواءها، فعندما يكون محيط الطفل لديه وعي ومعرفة، لا يمكن أن يواجه الطفل أيّ مشاكل نفسية أو يحتاج إلى مختص نفسي”.

وتضيف: “لذلك من المهم أن يعلم الجميع أنّ الأطفال يعبرون عن مشاعرهم بطرق أخرى مختلفة عن البالغين، مثل الكوابيس، والتبول اللاإرادي، والعنف، والخوف، والسلوكيات الانتكاسية. ومن أبرز الآثار الجانبية مشكلة التأتأة، وهي ناتجة من عدم القدرة على التعامل مع مشاعر الأطفال أثناء الصراع، وهذا قد يظهر بعد مدّة من الصراع أو الحادث”.

وتؤكد آزال على أهمية التوعية المجتمعية بقولها: “يجب أن يعي المجتمع بأنّ الأطفال بحاجة إلى المساعدة لتفريغ مشاعرهم بطرق صحية، كقراءة القصص والرسم والتلوين، وكذلك عن طريق اللعب، الذي يعدّ من أفضل الطرق التي تساعد الطفل على إسقاط مشاعرهم ومخاوفهم”.

أشكال التوعية المجتمعية

آزال الثور تحدثت عن أشكال الدعم النفسي الذي تم تقديمه أثناء الصراع بقولها: “أيام الصراع انتشرت الخيم في المنتزهات والحدائق، وكان يقدم فيها دعم نفسي مثل الرسم والتلوين”.

جمانة عبد الله تحدثت عن أهمية الدعم المجتمعي للأطفال، ونشر الوعي للمجتمع بعدة طرق، كي يتداركوا بها صدمة الأطفال، وتجنب تعريضهم لأضرار نفسية، بحديثها: “مبدئيًّا يجب على الوالدين الاهتمام بالجانب النفسي للطفل واحتوائهم”.

وأوصت جمانة بأهمية العلاج النفسي للأطفال، وتعريف المجتمع بهذه الأهمية القصوى، بقولها: “يجب ألّا يتجاهل الأهالي، أن كثيرًا من الأطفال يحتاجون إلى العلاج النفسي، فقد يصاب بعضهم بنوبات هلع مفزعة، لأسباب؛ مثل سماع أصوات الطائرات مثلًا، أو الدخول في حالة حزن معقدة نتيجة لفقدان أحد الأقارب المهمين والمؤثرين على حياة الطفل”.

آثار الصراع السلبية على الأطفال

ندى الصوملي، مختصة نفسية، ترى أنّ هناك آثارًا نفسية وجسدية كثيرة قد تلحق بالأطفال، وهنا تكمن أهمية كبيرة لدعم الأطفال نفسيًّا، بقولها: “من المهم للغاية دعم الأطفال نفسيًّا، حتى نتدارك الوضع، ونمنع أن تزداد الحالة النفسية سوءًا إذا لم تعالج في حينها. توجد آثار أولية للصدمة النفسية، وهناك آثار تظهر فيما بعد”.

أمّا عن عن كيفية معرفة أنّ الطفل تعرض لضرر نفسي سواء لحدوث صدمة نفسية أو جسدية فتقول: “من أشكال الصدمة النفسية عند الطفل القلق، والاكتئاب، واضطراب الحالة المزاجية، والتعرض لأرق وقلة التركيز، تراه أحيانًا يسترجع بعض اللقطات من المواقف السابقة بشكل مفاجئ، يصاب بهلع، واضطراب الشهية، الكرب التالي للصدمة، وأخيرًا الفصام، وهو يعد من أسوأ المراحل”.

وعن كيفية دعم الأطفال نفسيًّا توضح الصوملي أنّ هناك دعمًا لحظة الحدث يسمى (إسعاف نفسي أولي)، وله العديد من الطرق، ويشابهه الإسعاف الأولي الصحي، ويتم عن طريق المختص الاجتماعي أو النفسي، وهو تقديم الرعاية للطفل عن طريق طمأنته، والتخفيف من حدة الأثر النفسي، كجعْله يشعر بالأمان، والاستماع إليه. هذا كمرحلة أولية”.

وتضيف الصوملي: “عمر الصدمة يتراوح ما بين الشهر والستة أشهر، لذلك تدخل المرحلة الثانية التي تأتي بعد مضي أكثر من شهر، فالطفل بعد مضي الشهر يتجاوز الصدمة، وعندها يصبح من الضرورة عرضه على مختص نفسي، وهو بدوره يعالجه عن طريق العلاج السلوكي المعرفي الذي يتم بأساليب كثيرة، منها الرسم والكتابة وغيرها من الأنشطة العلاجية. ومن خلال هذه الفعاليات يتعدل سلوك كثير من الأطفال ويُشفون، وبعضهم لا يستفيد فيتجه إلى الخضوع للعلاج”.

وتوضح آزال الثور بقولها: “الأطفال تعرضوا لضرر نفسي بالغ، وهذا سبّب لهم ضررًا نفسيًّا عميقًا،  نتج عنه عدة أعراض، منها التبول اللاإرادي، والكوابيس أثناء النوم، والتعلق بالأم، بالإضافة إلى الخوف المبالغ، وهناك أطفال عانوا من أعراض ما بعد الصدمة، وهؤلاء الأطفال بحاجة لعلاج نفسي وتفريغ للمشاعر السلبية”.

أهمية الدعم النفسي للأطفال

تتحدث ضياء محيرز قائلة: “الظروف التي يعيشها الأطفال في ظل النزاع الحالي، الذي خلف آثارًا نفسية واجتماعية سيئة، نرى أنّهم يحتاجون، وبشدة، إلى دعم نفسي واجتماعي، وتوفير مساحة آمنة، للتعبير عن مشاعرهم وتجاوز الآثار المدمرة للانتهاكات التي تعرضوا لها، ويساعدهم في بناء المرونة اللازمة للتغلب على الأحداث الصادمة التي مروا بها”.

وتضيف بقولها: “مغادرة المدارس إلى المتارس، معناه تقليص مدارك الأطفال، وتضييق سُبل الحصول على الوظائف، والفرص المستقبلية التي من شأنها إنقاذ هؤلاء الأطفال من مستنقع الميلشيات والمجاميع المسلحة والإرهابية”.

توصيات

الدكتورة ضياء محيرز تضيف مجموعة من التوصيات لحماية الأطفال والحد من الأثر السلبي للصراعات والنزاعات المسلحة، وأهمية نشر ثقافة التوعية المجتمعية لتقديم الدعم للأطفال بقولها: “يجب إنشاءُ مراكز متخصّصة لإعادة تأهيل الأطفال المتضرِّرين من الصراع نفسيًّا واجتماعيًّا ودمجهم في المجتمع، بل وجعلها مسألة ملحة جدًّا، وضرورة قصوى، كجزء من تخفيف آثار الضرر الذي طال الأطفال”.

“كما نرى أن تحسين حماية الطفل وتعزيز حقوقه يتطلب تضافر جهود المجتمع بكل أطيافه وقيادة الجهات المسؤولة، كما يجب عليهم اعتماد عدد من التدابير والإجراءات في إطار خطة وطنية إستراتيجية لتحسين مستوى حماية الطفل”، تحدثت محيرز.

وأضافت الدكتورة ضياء: “نرى أنّه على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤوليته الإنسانية والأخلاقية لوقف الصراع والضغط على أطراف النزاع، لوقف أي انتهاكات ضد الأطفال، وفي كل الأحوال يجب ألَّا نقبل بالانتهاكات ضد الأطفال بوصفها نتيجة لا يمكن تجنبها”.

هذا وأضافت آزال الثور عدة توصيات، أبرزها ما ذكرته في حديثها: “يجب زراعة الوعي لدى المجتمع بأنّ الطفل يجب أن يعبر عن مشاعره ولا ينكرها حال حدوثها، بل ويجب تعليمهم مصطلحات المشاعر عن طريق الصور، مثلًا تقوم الأم بتعليم طفلها كيف يكون الغضب، وتدعم هذا المصطلح بصوره معبرة، وحينها سيربط الطفل بين المعنى والصورة ويعبر عن نفسه”. وتؤكد آزال أنه حاليًا يوجد إقبال أكثر من السابق على تعليم الأطفال لغة المشاعر من قبل الأهالي، وتطمح أن تجد كثيرًا من الناس بهذا الوعي.

وهنا نجد أنّ التوعية المجتمعية تلعب دورًا حيويًّا في دعم الأطفال نفسيًا، أثناء الصراع وما بعده، فقد تساعد التوعية المجتمعية على زيادة الوعي بالآثار النفسية للصراع على الأطفال، وتشجيع الآباء والأمهات والمجتمع على تقديم الدعم النفسي للأطفال، وتوفير المعلومات والمهارات اللازمة للتعامل مع المشكلات النفسية للأطفال.

الرجاء تسجيل الدخول للتعليق.

‫شاهد أيضًا‬

96.2% من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن الصراع تسبب في حرمان أطفال اليمن من حقوقهم الأساسية

صوت الأمل – يُمنى أحمد خلق الصراع المستمر في اليمن أزمة إنسانية كبرى قد تعد واحدة من أسوأ …