رؤى مجتمعية بشأن أسباب الهجرة وتحديات الشباب اليمني
ياسمين عبدالحفيظ – صوت الأمل
في السنوات الأخيرة، بات يتردد في مسامعنا إقبالُ كثيرٍ من الشباب اليمني على تقديم اللجوء إلى دول مختلفة فتحت أبوابها لليمنيين الباحثين عن الأمان والاستقرار، بعدما تحولت بلادهم إلى ساحة اقتتال أدّت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وحتى المعيشية.
بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا والسويد، بالإضافة إلى دول إقليمية مثل مصر والأردن، أصبحت وجهات لليمنيين، وخاصة الشباب الفارين من الصراع، لكن هذه الرحلة محفوفة بالمخاطر؛ إذ يتعرض اللاجئون في بعض الأحيان إلى مخاطر الرحلات غير الشرعية، وظروف العيش الصعبة في مخيمات اللاجئين.
وتناولت العديد من وسائل الإعلام اليمنية والعربية ووسائل التواصل الاجتماعي قصص العديد من الشباب اليمنيين الذين واجهوا مخاطر كثيرة أثناء رحلتهم، فهناك عشرات الشباب لقوا مصرعهم في رحلات محفوفة بالمخاطر.
ويرى كثير من الناشطين والخبراء في الشأن اليمني أنّ هجرة الشباب من اليمن يعدُّ من أخطر الظواهر التي تهدد مستقبل البلاد وحاضرها؛ إذ إنّ الشباب هم عماد أي مجتمع، وبإسهامهم الفعّال في مختلف القطاعات، تتحقق التنمية المستدامة والتقدّم في مختلف المجالات، ومع استمرار الصراع وهجرة العديد منهم بحثًا عن فرص عمل أو حياة مستقرة، تخسر اليمن جزءًا كبيرًا من طاقتها البشرية القادرة على إعادة بناء البلاد وتحريك عجلة التنمية.
أسباب هجرة الشباب إلى الخارج
إبراهيم الزَّبيدي، شاب يبحث عن عمل لإعالة أسرته وتأمين حياته المستقبلية، وقد تُوفي والده قبل أربعة أعوام بمرض ألمَّ به، كان والده يعمل في ورشة لإصلاح السيارات بالقرب من مطار الحديدة الدولي، لكنها أغلقت بعد وصول المعارك إلى المنطقة في عام 2018م.
عاد الأب بأدواته إلى المنزل، لكنه عجز عن استئجار محل داخل المدينة بسبب قلة المال، وتدهورَ وضع الأسرة واستمر للأسوأ بعد وفاة الأب، وأصبح إبراهيم، وهو وحيد شقيقاته الأربع، يواجه صعوبات في توفير احتياجات الأسرة.
يتحدث إبراهيم قائلًا: “عملت بدراجة نارية لمدّة، ولم يساعدني المال الذي كنت أحصل عليه في توفير متطلبات الحياة الأساسية، ثم انتقلت للعمل في إحدى المحلات التجارية براتب، عجزت أيضًا عن توفير ما تحتاجه شقيقاتي وأمي، وبحثت عن فرص أفضل ولم أجد، ولم يكن أمامي خيار إلا البحث عن طريقة تخرجني من اليمن إلى أي دولة أجد بها عملًا يوفر حياة كريمة لي ولأسرتي”.
بذلت أم إبراهيم كل ما بوسعها من أجل توفير المال المطلوب لشراء (فيزا) لابنها، تمكنه من السفر للمملكة العربية السعودية والبحث عن عمل، وتواصلت بأغنياء الأسرة، وباعت ما بحوزتها وبناتها من مجوهرات، واقترضت مبلغًا من إحدى صديقاتها حتى تكمل المبلغ المطلوب، الذي على ضوئه استطاع إبراهيم الهجرة.
قبل أقل من شهرين، وصل إبراهيم إلى مدينة جدّة السعودية، وظل يبحث عن عمل دون جدوى، ثم انتقل إلى الرياض محاولًا البحث عن فرصة أخرى ولم يجد، يقول إبراهيم: “ما زلت أبحث عن عمل ليلًا ونهارًا، لأني لا أريد العودة إلى اليمن، التي كل الأبواب فيها ما تزال مغلقة أمام الشباب، حتى أنّ هناك العديد منهم أُجبروا على الانتحار بعدما ضاقت بهم الحياة، ومنهم مَن هرب متحدّيًا الواقع الحالي إلى واقع مجهول”.
لقد ازدادت رغبة الشباب اليمني في مغادرة الوطن في السنوات الأخيرة التي شهدت فيها البلاد تقييد الحريات، وتدهورت الظروف المعيشية والأمنية التي شردت الملايين من اليمنيين، وقتلت الآلاف منهم، بالإضافة إلى تفاقم العديد من المشاكل الاقتصادية التي تمثلت في تراجع سعر العملة بشكل كبير، وشحة فرص العمل، وتوقف مرتبات الموظفين وغيرها من التداعيات الاقتصادية التي ما زال يواجهها اليمنيون بشكل عام، والشباب على وجه الخصوص، الذين باتوا يحلمون بالهجرة إلى خارج الوطن، ويرون فيها خلاصهم من مرارة العيش الذي يمرون به داخل بلادهم.
يقول محمد عزّ الدين الحميري (هو إعلامي يعيش خارج اليمن): “إنّ كل شاب هاجر من اليمن له أسبابه التي تختلف من شخص إلى آخر، إلّا أنّ هناك أسبابًا قد نعدُّها قواسم مشتركة، ومنها︎: عدم وجود فرص عمل مناسبة ومتاحة في الوطن، وعدم وجود نظام وقانون حقيقي يسري على الحياة العامة في البلاد، بالإضافة إلى البحث عن حياة ومعيشة كريمة افتقدها الشاب في بلده الأم”.
وأكّد أنّ من أهم أسباب هجرة الشباب اليمني، عدم وجود اهتمام ورعاية حكومية لمجال التعليم والتعليم العالي؛ إذ هذا النقص يدفع الشباب إلى البحث عن فرص في دول أخرى توفر لهم التعليم الجيد، والحرية، والاستقرار، والرفاهية التي يفتقدونها في اليمن، إلى جانب ذلك، يلعب الأمان دورًا كبيرًا في تحفيز الشباب على الهجرة؛ إذ يسعون للعيش في بيئات آمنة ومستقرة بعيدًا عن الصراع الذي يعصف بوطنهم.
كما يقول: “إنّ الانتماء العاطفي هو الرابط الأساسي الذي يربط الشباب المهاجرين بوطنهم، على الرغم من حبهم لليمن، فإنّ الظروف المتردية تجعل العودة إليها خيارًا مرجوحًا”.
ويعتقد إبراهيم أنّه إذا خُيِّرَ الشباب اليمني المهاجر بين البقاء في المهجر أو العودة إلى اليمن في ظل الوضع الحالي، فإنّ الغالبية العظمى لن تفضّل العودة، نظرًا للتحديات التي يواجهها الوطن.
ويؤكد أنّ الشاب اليمني في المهجر يُقدّر بناءً على كفاءته، وهو ما يختلف عن الوضع في اليمن؛ إذ يجد كثير من الشباب صعوبة في الحصول على فرص عمل مناسبة.
كما يوضح أنّ غياب الدولة الحقيقية والتنظيم الحكومي الفعّال يعدُّ من أكبر الأسباب التي تدفع الشباب إلى الهجرة. وفي ختام حديثه، يشير إبراهيم إلى أنّ العديد من المهاجرين اليمنيين تمكنوا من تأسيس أنفسهم في الخارج، وأصبحوا قادرين على دعم أسرهم في اليمن ورعايتهم عن طريق عائدات عملهم، وهو ما لم يكن متاحًا لهم أثناء وجودهم في الوطن، وهذا النجاح دفع المزيد من الشباب إلى التفكير في الهجرة كحل لتحسين أوضاعهم.
من جهته، يؤكد أحمد عامر، شابٌّ في الثلاثين من عمره، وهو يعيش في إحدى الدول الأوروبية، أنّ الصراع في اليمن يعدُّ السبب الرئيسي وراء موجة الهجرة المتزايدة بين الشباب اليمني إلى مختلف دول العالم في السنوات الأخيرة.
وأوضح أنّه كان هناك شبه حرية قبل الصراع في اليمن؛ إذ حاول الشباب التعامل مع هذا الهامش، ولكن الآن، لا وجود لهذه الحرية إطلاقًا، مما جعل البلاد تبدو وكأنها سجن لمن يريد ممارسة حريته في جوانب الحياة كافة.
التحديات
عن التحديات التي تواجه الشباب اليمنيين في بلاد المهجر، يتحدث أحمد عارف وهو شاب هاجر إلى كوريا الجنوبية، قائلًا: “إنّ هناك كثيرًا من الشباب اليمني، لم يسبق له السفر إلى الخارج، ولكن مع اندلاع الصراع في اليمن، يجد نفسه محاصرًا بين التشرد والفقر والجوع والموت، ممّا يجبره على اتّخاذ قرار الهجرة، وهناك من هاجر بشكل اختياري بحثًا عن فرصة حياة أفضل”.
وأضاف: “أنّ هناك آخرين أُجبروا على المغادرة بعد ملاحقتهم بسبب مواقفهم أو توجهاتهم السياسية، وفي البلد الجديد، يواجه الشباب تحديات كبيرة؛ فهم لا يعرفون قوانينها أو لغتها أو ثقافتها أو عاداتها، مما يجعل تعلم اللغة والاندماج في المجتمع أمرًا صعبًا، بالإضافة إلى ذلك، يجد بعضهم صعوبة في العثور على فرصة عمل تتناسب مع قدراتهم أو تخصصاتهم.
كما أشار إلى أن بعض الشباب اليمنيين الذين ليس لديهم خبرة كافية في تقديم طلبات اللجوء يواجهون صعوبات كبيرة عند وصولهم إلى الدول التي هاجروا إليها، هؤلاء الشباب قد يواجهون تحديات في فهم الإجراءات القانونية، والتعامل مع الوثائق المطلوبة، وقد يشعرون بالعجز في مواجهة الأنظمة المعقدة التي تتطلب معرفة باللغة والقوانين المحلية، وهذه الصعوبات تجعل من عملية اللجوء بالنسبة لهم تجربة مرهقة وصعبة.
الحلول والمقترحات
قيس المعافري، الناشط الشبابي، يوضح أنّ الهجرة بين الشباب اليمني أصبحت ظاهرة متزايدة في السنوات الأخيرة؛ نتيجة للتحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعاني منها اليمن.
ويشير إلى أنّ هناك العديد من الحلول التي يمكن أن تخفف من ظاهرة هجرة الشباب اليمني، ومن بين هذه الحلول: تحسين الاقتصاد بدعم المشاريع الصغيرة، وتوفير فرص عمل للشباب بالاستثمار في قطاعات؛ مثل الزراعة والطاقة، ودعم الاستقرار السياسي والأمني، وتعزيز الأمن، وحل الصراعات السياسية، التي تعدُّ من الخطوات الأساسية التي تسهم في جذب الاستثمارات، وتوفير بيئة آمنة للشباب، ممّا يساعد على تقليل دوافع الهجرة.
ويؤكد أنّ تحسين التعليم والتدريب المهني يعدُّ من الحلول الأساسية لمواجهة ظاهرة هجرة الشباب، ويتطلب ذلك تطوير المناهج الدراسية، وتوفير التدريب العملي الذي يتماشى مع احتياجات السوق المحلي، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت، ممّا يسهم في تحسين جودة الحياة. كما يبرز أهمية تشجيع المشاركة المجتمعية بإشراك الشباب في صنع القرار، ودعم منظمات المجتمع المدني لتعزيز دورهم في المجتمع.
المعافري يواصل حديثه بأنّ من الحلول الضرورية لتخفيف هجرة الشباب: إصلاح النظام القانوني؛ بتسهيل إجراءات تأسيس الأعمال، وضمان حقوق العمال لتحسين بيئة العمل، وأهمية تنمية المناطق الريفية، ودعم الزراعة لتوفير فرص عمل محلية للشباب.
ويشدد على أن هذه الحلول تتطلب التزامًا جماعيًا من الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشباب؛ إذ يجب أن تكون هذه الجهود منسقة ومستدامة لتحقيق نتائج ملموسة في تقليل الهجرة.
فاطمة الحريبي، الناشطة المجتمعية، تؤكد أنّ الشاب لن يهاجر أو يغترب إذا وجد وطنًا يحتويه ويمنحه الفرص التي يحتاجها، مشيرة إلى أهمية العمل على إيجاد هذا الوطن.
وتشير إلى أنّ من أهم الحلول التي يمكن أن تخفف من هجرة الشباب اليمني هي؛ خلق بيئة صالحة للعمل والاستثمار والبناء؛ باستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها. كما تبرز أهمية إعادة تشغيل الموانئ والمصانع لتوفير فرص عمل لشريحة واسعة من الشباب العاطلين.
منذ أكثر من تسعة أعوام، أصبحت ظاهرة هجرة الشباب اليمنيين إلى دول مختلفة من العالم تتزايد بشكل ملحوظ، ولقد تحوّل الحلم بالهجرة إلى أمل لكثير من الشباب، الذين أرهقهم الوضع الذي تمرُّ به البلاد في جميع المجالات والقطاعات، بما في ذلك التعليم، والصحة، والاقتصاد، الذي ضاعف من معاناة المواطنين بشكل عام، وزاد من ضغوط الشباب الذين يبحثون عن فرص أفضل ومستقبل أكثر استقرارًا في الخارج.
الشباب في الهجرة؛ بين البحث عن فرص عمل ومواجهة التحديات
أحمد باجعيم – صوت الأمل الهجرة إلى الخارج أصبحت فعلًا واحدة من أبرز الظواهر بين الشب…










