‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة هجرة الشباب اليمني الهروب من شبح البطالة.. شباب اليمن يبنون مستقبلهم خارج الوطن

الهروب من شبح البطالة.. شباب اليمن يبنون مستقبلهم خارج الوطن

أحمد باجعيمصوت الأمل

باتت الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة في اليمن عاملًا رئيسيًّا يدفع الشباب إلى مغادرة البلاد بحثًا عن فرص أفضل في الخارج، فقد أدّى الصراع المستمر، والتدهور الاقتصادي، وغياب الاستقرار السياسي إلى شلل في مختلف القطاعات، مما جعل الظروف المعيشية داخل اليمن غير محتملة لكثيرين، خاصة فئة الشباب.

يختار الآلاف من الشباب اليمني الهجرة إلى دول المهجر بحثًا عن فرص عمل وتعليم وحياة كريمة، آملين في تحسين ظروفهم المعيشية والهروب من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بلادهم. ومع ذلك، فإن حياتهم في هذه الدول ليست خالية من التحديات؛ إذ يواجه المهاجرون صعوبات كبيرة في التأقلم مع بيئات جديدة وثقافات مختلفة، ومشاكل متعلقة بالهوية، كما يشعرون بالتوتر بين الحفاظ على تقاليدهم الثقافية وبين الاندماج في الثقافة السائدة في البلاد المضيفة، والحصول على فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم.

الفشل الاقتصادي الذي يتجلى يومًا بعد آخر في انهيار العملة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع مستويات الدخل، دفع كثيرًا من الشباب إلى التفكير في الهجرة كحل وحيد لتأمين مستقبلهم، أما من الناحية السياسية، فإنّ عدم وجود بارقة أمل لحل النزاعات وعودة الأمن والاستقرار، قد زاد من حالة اليأس والإحباط بين الشباب، الذين يجدون أنفسهم بلا صوت في تحسين أوضاعهم داخل الوطن. وذلك وفق تصريحات الشباب الذي سنستعرضها في سياق هذا التقرير.

قصص شبابية

محمود العنشلي، شاب استطاع أن يحقق حلمه بالهجرة، بعد رحلة مليئة بالتحدي والإصرار استغرقت سنتين. بدأت فكرة الهجرة تتبلور في ذهنه منذ بداية العام الدراسي بجامعة حضرموت؛ إذ كان يرى أنّ الوضع في اليمن أصبح لا يُحتمل، وأنّ الصراع السياسي، والبطالة، والظروف المعيشية الصعبة، وانهيار الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، بالإضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن هذه الظروف، جعلت من الصعب عليه الاستمرار في حياته الدراسية والمهنية داخل البلاد.

محمود قرر أن يبدأ بالتفكير في كيفية ترتيب عملية السفر، وهو يدرك أنّ الهجرة ليست مجرد خطوة سهلة، بل تتطلب وقتًا وجهدًا وتخطيطًا دقيقًا، متمسكًا بأمله في العثور على حياة جديدة ومستقرة بعيدًا عن الضجيج والصراع في بلاده.

يعتقد محمود أن الشخص الذي يملك هدفًا وطموحًا لا يستسلم، مهما كانت الصعوبات، طالما حلمه هو العيش بكرامة بعيدًا عن الظروف الصعبة.

وفيما يخص خطة سفره للوصول إلى المملكة الهولندية، يقول محمود: “لقد واجهت العديد من التحديات، بدءًا من جمع تكاليف السفر التي كانت الخطوة الأولى الأهم، ثم بدأت رحلتي الطويلة من اليمن إلى جمهورية مصر العربية، ومنها إلى الجمهورية اللبنانية. بعد ذلك، عدتُ مرة أخرى إلى مصر لأكمل رحلتي؛ إذ اتجهت إلى جمهورية تركيا، ومن تركيا توجهت إلى جمهورية اليونان، لأنتقل بعدها بين دول البلقان، كل ذلك في سبيل الوصول إلى المملكة الهولندية”.

وأضاف: “واصلت رحلتي من البلقان أو شبه جزيرة البلقان التي تضم نحو (10) دول في الجزء الجنوبي من قارة أوروبا التي كانت محفوفة بالمخاطر إلى جمهورية بلجيكا، ومنها وصلت إلى المملكة الهولندية التي استقريت حاليًا فيها؛ إذ إنّ هذه الرحلة من بلدي الأصلي وحتى وصولي إلى هولندا استغرقت سنتين، وبعد استقراري حاليًا أدرس ومقدم على طلب لم شمل لعائلتي”.

التحديات

علي باتيس، وهو شاب جامعي أجبرته الظروف وعدم الحصول على عمل في البلاد الاغتراب إلى أرض المهجر، يقول: “إنّ الشباب في الغربة يواجهون تحديات كبيرة تؤثر على حياتهم اليومية وتطلعاتهم المستقبلية، ومن أبرز هذه التحديات الشعور بالغربة والابتعاد عن الأهل والوطن، مما يخلق صعوبات في التأقلم مع الثقافات والعادات الجديدة، كذلك، هناك تحديات اقتصادية تتمثل في البحث عن فرص عمل مناسبة ومستقرة؛ إذ يصعب على الشباب المنافسة في أسواق عمل جديدة تختلف في متطلباتها وشروطها، وأيضًا عن تخصصاتهم الجامعية”.

وأضاف “أنّ العديد من الشباب الذين يهاجرون إلى الدول الأجنبية يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بالحصول على فرص العمل؛ إذ يضطر كثير منهم إلى تعلم مهارات وأعمال بعيدة تمامًا عن تخصصاتهم الأكاديمية أو المهنية، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا عليهم؛ إذ يحتاجون إلى إثبات أنفسهم وسط عدد كبير من العمالة الوافدة إلى هذه الدول، كما أنّ المهاجرين يواجهون صعوبات كبيرة في بناء علاقات اجتماعية جديدة في بيئات تختلف جذريًّا عن بيئاتهم الأصلية”.

علي باتيس، شاب حصل على شهادته الجامعية بمرتبة الشرف، إلا أنه وجد نفسه مضطرًا للعمل في مهنة بعيدة تمامًا عن تخصصه الأكاديمي في المملكة العربية السعودية، هذه القصة تعكس الواقع المرير الذي يعيشه العديد من الشباب اليمني، الذين يضطرون للهجرة بحثًا عن فرص عمل، رغم ما بذلوه من جهد ووقت للحصول على شهادات أكاديمية.

تجربة باتيس وغيرها من القصص تجعل كثيرًا من الشباب في اليمن يضعون علامات استفهام بشأن أهمية التعليم الجامعي في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، فمع تدهور الوضع الاقتصادي، وتفاقم الأزمات الأمنية، وانتشار البطالة بين فئة الشباب، بدأ بعضهم يفضل العزوف عن الدراسة، والبحث عن طرق أسرع للهجرة، معتقدين أنّ التعليم الجامعي قد لا يضمن لهم فرصة أفضل في ظل غياب فرص العمل المحلية.

أكد محمود العنشلي أنه من أبرز التحديات التي واجهته في هولندا كانت مشكلة اللغة، موضحًا أنّ الشخص الذي يريد الاندماج في أي مجتمع جديد يجب أن يبدأ بتعلم لغة البلد.

 وحسب قوله، تعلُّم اللغة ليس فقط وسيلة للتواصل، بل هو مفتاح لفهم ثقافة المجتمع وطريقة العمل، ويتيح لك فرصة الاستفادة من خبرات الآخرين والتعرف على أشخاص جدد. وأشار إلى أنه تنقل بين عدة دول، وكل دولة كانت لها لغة مختلفة، مما زاد من صعوبة التكيف، وأن تعلُّم لغة البلد يتطلب صبرًا وجهدًا، لكنه يعدّه الأساس لتحقيق النجاح في بيئة جديدة، وبالنسبة له، التحمل ومواصلة الدراسة والتعلم كانت الطرق الأساسية للتغلب على العديد من المعوقات التي واجهته.

وأشار العنشلي إلى أن من أبرز التحديات التي يواجهها الشباب المهاجرون: البُعد عن العائلة والأصدقاء، بالإضافة إلى المخاطر التي قد يواجهونها في طريق الغربة، ورغم هذه الصعوبات، هناك نتائج إيجابية، أبرزها الإصرار على متابعة الحلم والطموح الذي يسعى الشخص لتحقيقه. ويستشهد ببيت شعر للشاعر العربي يقول:

“لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنت آكُلهُ * لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصَّبِرَ”

 موضحًا أنّ النجاح ليس سهلًا ويحتاج إلى تقديم كثير من التضحيات.

الهروب من البطالة

يرى علي باتيس أنّ غالبية الشباب المغتربين، سواء في الدول المجاورة أو الأجنبية، قد عانوا كثيرًا من البطالة التي لحقت بهم في وطنهم. ورغم ما يواجهونه من معاناة في المهجر، فإنهم يعدونه الخيار الأفضل مقارنة بالاستسلام للبطالة والعيش تحت خط الفقر، الذي أصبح واقعًا مؤلمًا يفتك بمعظم الشعب اليمني نتيجة الصراعات المسلحة المستمرة.

فيما أوضح محمود العنشلي أنّ واقع الشباب اليمني في المهجر يحمل فرصًا واعدة للعطاء والتقدم على الصعيدين العلمي والعملي، فعندما يندمج الشباب اليمني مع الثقافات الأخرى، تتكون لديهم رؤية متكاملة تجمع بين الماضي والمستقبل، مما يسهم في تأثيرهم الإيجابي على مجتمعاتهم، وهذا التفاعل يسهم في تطوير شخصياتهم، ويجعلهم أكثر فاعلية ونفعًا سواء في بلدهم الأصلي أو في مجتمعات المهجر.

ويتابع قائلًا: “إنّ الوضع في اليمن أصبح غير قابل للتَّحمُّل، سواء من الصراع السياسي أو البطالة أو تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، إضافة إلى انهيار النظام التعليمي والصحي والنفسي، وتعدُّ الهجرة أفضل خيار للشباب في ظل هذه الظروف؛ لأنه وببساطة، منذ اللحظة التي يغادر فيها الشخص اليمن، يتأكد تمامًا أنّ الوطن لم يعُد صالحًا للعيش فيه، وأنهّ منذ أن تصبح إلى أن تمسي تعاني من كل شيء، وكل يوم نأمل بأن الغد سيكون أفضل، ولكن للأسف الأمور تزداد سوءًا، ومَن يُرِد حياة كريمة فعليه بالهجرة؛ لأنّ الشخص الذي يحمل هدفًا وحلمًا بالعيش لن يستسلم”.

وفي نهاية التقرير، يظل واقع الشباب في بلاد المهجر معقّدًا ومتعدد الأبعاد، وعلى الرغم مما يواجهه هؤلاء الشباب من تحديات اقتصادية وثقافية واجتماعية، فإنّ إرادتهم في النجاح والاندماج تظل حافزًا قويًّا لمواصلة السير نحو مستقبل أكثر استقرارًا، وإنّ فهم هذه التحديات وإيجاد الحلول المستدامة لها يمثل ضرورة ملحة، ليس فقط لمصلحة الشباب المهاجر، ولكن أيضًا للمجتمعات التي يعيشون فيها، مما يعزز من قيم التنوع والتعايش.

الرجاء تسجيل الدخول للتعليق.

‫شاهد أيضًا‬

الشباب في الهجرة؛ بين البحث عن فرص عمل ومواجهة التحديات

أحمد باجعيم – صوت الأمل الهجرة إلى الخارج أصبحت فعلًا واحدة من أبرز الظواهر بين الشب…