‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة السرطان في اليمن معاناة مرضى السرطان في اليمن بين آلام المرض والنزاع

معاناة مرضى السرطان في اليمن بين آلام المرض والنزاع

حنان حسينصوت الأمل

في ظل الصراع، تشهد الساحة اليمنية أسوأ أزمة إنسانية في العالم، خاصة بما يتعلق بمرضى السرطان؛ إذ يتعرض هؤلاء المرضى لمعاناة مزدوجة نتيجة تضافر عوامل الصراع مع مرضهم، ممَّا يهدّد حياتهم ويسلبهم حقهم في الحصول على الرعاية الصحية الواجبة، فالظروف الاقتصادية والإنسانية وقفت أمامهم كحاجز يمنع عنهم الأمل في حصولهم على الأدوية المناسبة، أو الحصول على أدنى مستويات الرعاية الصحية.

إنّ الأزمة الاقتصادية والنقص الحاد في الأدوية والتجهيزات الطبية جعلت من علاج السرطان تحدّيًا صعبًا؛ إذ أدَّى الدمار في البنية التحتية إلى إغلاق عمل العديد من المستشفيات والمراكز الصحية أو تقييدها، ممَّا أجبر المرضى على السفر لمسافات طويلة بحثًا عن العلاج، ومع نزوح الملايين من اليمنيين إلى مناطق أقل تضررًا، بات مرضى السرطان في مواجهة ظروف معيشية غير ملائمة؛ إذ يعانون من نقص التغذية، وضعف المناعة، وعدم القدرة على تحمل تكاليف العلاج الباهظة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

إحصائيات وتقارير

تؤكد العديد من الدراسات والتقارير الصادرة عن منظمات إنسانية دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تفاقم معاناة مرضى السرطان وتزايد أعدادهم بسبب القصف والدمار في اليمن. 

وأشارت تلك التقارير إلى أنّ العديد من المرافق الصحية المتخصصة في علاج السرطان قد تضررت أو خرجت عن الخدمة بسبب الصراع، إضافة إلى نقص حادٍّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتدهور البنية التحتية للمستشفيات، وارتفاع تكاليف العلاج، ممَّا يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية المتخصصة شبه مستحيل بالنسبة لكثير من المرضى.

وفي فبراير 2023م، نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا بينت أنّ 46% من المرافق الصحية في اليمن كانت إما عاملة جزئيًّا وإما معطلة بشكل كلي، ويعوقها نقص الموظفين، والتمويل، والكهرباء، والأدوية واللوازم، والمعدات الأساسية الأخرى.

 وفي دراسة بعنوان: (تحديات القطاع الصحّي في الجمهورية اليمنية: المواجهة غير المتكافئة) نشرها مركز أبعاد للدراسات والبحوث، في العام 2024م، أشارت إلى أنّ “أولئـــك الذيـــن يعانون من الأمـــراض المزمنة معرضـــون للخطـــر أيضًا بســـبب نقـــص الأدوية في مســـتوى الرعاية الأوليـــة، فضـــلًا عـــن ارتفـــاع الأسعار بســـبب التدهـــور الاقتصـــادي”.

تظهر الدراسة أنّ نحو 5% من الوفيات في اليمن ناتجة عن مرض السرطان، وهو ما يعكس حجم المعاناة التي يواجهها مرضى السرطان في ظل الصراع وتدهور النظام الصحي، وذلك نظرًا لاحتياجهم إلى زيارات مستمرة لمراكز الرعاية الصحية والعيادات الخارجية، ويعاني هؤلاء المرضى من عدم قدرة النظام الصحي على تلبية احتياجاتهم الأساسية في التشخيص والعلاج وتوفير الأدوية الضرورية، ليس فقط للسرطان بل أيضًا للأمراض المزمنة الأخرى مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، والأمراض النفسية، ممَّا يضيف إلى معاناتهم المستمرة.

كما ذكرت أنّ النزاعات المستمرة أسهمت بشكل كبير في نزوح أكثر من ثلاثة ملايين مواطن يمني إلى مناطق أكثر أمنًا، ممَّا ضاعف من الضغوط على القطاع الصحي لتلبية احتياجات النازحين من الخدمات الصحية الأساسية؛ إذ يشكل النزوح تحدّيًا إضافيًّا يُثقلُ كاهلَ نظامٍ صحيٍّ محدودِ الموارد.

الصراع ومرضى السرطان

أدَّى الصراع المستمر في اليمن منذ ما يقارب عشر سنوات، إلى تفاقم معاناة مرضى السرطان بشكل كبير، ممَّا أثر على حياتهم بشكل مباشر وعميق؛ إذ يعاني مرضى السرطان من صعوبات متعددة في تلقي الرعاية الصحية اللازمة، بدءًا من التشخيص المبكر، وصولًا إلى توفير الأدوية والعلاج الإشعاعي والكيماوي، ولعلَّ من أبرز التأثيرات التي خلفها الصراع على مرضى السرطان في اليمن نقص الأدوية والمعدات الطبية، وتدهور البنية التحتية الصحية، وارتفاع تكلفة العلاج وصعوبة تحمله من قبل المواطن العادي، وبروز تحديات النزوح الداخلي، بالإضافة إلى أنّ  مريض السرطان يعاني من تأثير نفسي عميق نتيجة للصراع المستمر ونقص الرعاية الصحية؛ إذ يتزايد الشعور بالقلق والإحباط نتيجة الظروف الصعبة، وانعدام الدعم الكافي.

 تجسد قصة أحمد، الشاب البالغ من العمر 19 عامًا، إحدى المآسي الإنسانية التي يعيشها مرضى السرطان في اليمن نتيجة الصراع والأوضاع الاقتصادية المتدهورة؛ إذ يعاني أحمد من ورم في الرأس منذ خمس سنوات، وتتدهور حالته الصحية يومًا بعد يوم؛ بسبب عدم قدرته على الحصول على العلاج الكيماوي اللازم بشكل منتظم، إما لندرة توفره وإما لارتفاع تكلفته في السوق.

يقول والد أحمد بمرارة: “العلاج والمادة الإشعاعية يجب إعطاؤها لأحمد شهريًّا بناءً على وصفة الطبيب، وقد يصل سعرها إلى ما يقارب 500 دولار، وهذا مبلغ لا أستطيع توفيره. لذلك نضطر للانتظار حتى توفره المراكز الصحية بشكل مجاني، أو الاعتماد على مساعدات أهل الخير، ممَّا يعرض أحمد لانتكاسات ومضاعفات صحية خطيرة، لكن ما باليد حيلة”.

ومن هنا نجد أنّ مرضى السرطان في اليمن يواجهون تحديات كبيرة على عدة أصعدة نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة؛ إذ أدَّى تدهور الوضع المادي للمواطنين وارتفاع أسعار السلع والخدمات إلى زيادة تكاليف الأدوية، ممَّا يجعل كثيرًا من المرضى غير قادرين على تحمُّل تكاليف العلاج، ومن أبرز هذه التحديات نقص الأدوية الكيماوية والإشعاعية والمستلزمات الطبية الأساسية لعلاج السرطان، ممَّا يتسبب في تدهور الحالة الصحية للمرضى وتفاقم معاناتهم.

وعلاوة على الجانب الطبي، يعاني مرضى السرطان من تحدّيات نفسية ومعنوية كبيرة؛ إذ يعانون من ضغوط نفسية شديدة وخوف ناتج عن ظروف النزاع والنزوح، وعدم توفر الدعم الصحي والنفسي الكافي، كما يعانون من أمراض جانبية، مثل فقر الدم وسوء التغذية، ممَّا يضعّف جهاز المناعة، ويزيد من تعرضهم للمضاعفات.

تأثير إغلاق الطرق والمطارات

لقد عانى المواطن اليمني من آثار سلبية واسعة النطاق، من بينها انقطاع الخدمات الأساسية، ممَّا أدَّى إلى تدهور الحالة الصحية للعديد من المرضى، ومن أبرز هذه الآثار تدمير العديد من الجسور والطرق التي تربط بين المحافظات والمدن اليمنية وإغلاقها، ممَّا جعل من الصعب على المرضى الوصول إلى المراكز الطبية المتخصصة داخل اليمن وخارجها.

 كما أنّ صعوبة التنقل بين المحافظات، نتيجة لتدمير البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل ونقص الوقود، زادت من معاناة المرضى وحرمتهم من الحصول على الرعاية الصحية اللازمة والعلاج المناسب.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور سعيد عبد الله أحمد نعمان، مختص علاج الأورام والعلاج بالإشعاع، إلى أنّ الصراعات الدائرة في البلاد تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على حياة مرضى السرطان؛ إذ تنعكس على جميع مناحي حياتهم، واستمرار الصراع أدَّى إلى ضعف التواصل بين المحافظات، وأثّر على التنسيق بين مراكز الأورام والأطباء المتخصصين، ممَّا انعكس سلبًا على أسلوب علاج المرضى.

وأضاف: “أنّ إغلاق الطرق والمطارات أدَّى إلى انقطاع السبل أمام المرضى، ممَّا منعهم من الوصول في الوقت المحدد إلى مراكز الأورام التي يتلقون فيها العلاج، وهذا التأخير يؤثر سلبًا على فعالية العلاج ومدى استجابة المرضى له؛ إذ يتسبب عدم الالتزام بمواعيد الجرعات في تقليل الفعالية المطلوبة للعلاج، كما أنّ إغلاق المطارات حال دون سفر المرضى إلى الخارج لإجراء فحوصات تشخيصية غير متوفرة في اليمن، مثل جهاز المسح الذري الضروري لتشخيص حالاتهم ومتابعتها”.

وأوضح أيضًا أنّ النزاعات المستمرة تسببت في منع دخول المواد المشعة اللازمة للتشخيص في مراكز الطب النووي، وكذلك منعت دخول المواد المستخدمة لتشغيل جهاز (البركي ثيرابي) الضروري لعلاج سرطان الجهاز التناسلي لدى النساء، هذه العوائق تعرقل بشكل كبير توفير العلاجات الدقيقة والرعاية المناسبة لمرضى السرطان في اليمن، ممَّا يزيد من معاناتهم، ويهدد فرصهم في التعافي.

مرضى السرطان … معاناة متواصلة

على مدار السنوات الماضية، واجهت اليمن تحديات جسيمة على جميع الأصعدة؛ إذ تسببت الأزمات الاقتصادية جراء الصراع في ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقمت المشكلات الاجتماعية مع تزايد النزوح وتدهور الخدمات الأساسية، كما أنّ التحديات الصحية والأمنية زادت من صعوبة الظروف، وخاصة على الفئات الأكثر ضعفًا، مثل مرضى السرطان، الذين باتوا يواجهون معاناة إنسانية ملحة تتطلب استجابة عاجلة.

وفقًا للدكتور سعيد نعمان فقد تأثرت الخدمات الصحية المقدمة بشكل كبير؛ إذ أسهمت هجرة الكوادر الطبية المتخصصة، من أطباء وممرضين، إلى الخارج في تدهور الخدمة الطبية، ويعود ذلك إلى انعدام الأمن وارتفاع تكاليف المعيشة، ممَّا دفع هذه الكوادر إلى البحث عن فرص أفضل، وأن تعرض المستشفيات للقصف والدمار أدَّى إلى توقف بعضها عن العمل كليًا أو جزئيًا، وتقليل قدرتها على تقديم الرعاية الصحية الضرورية، ممَّا أثر سلبًا على جودة الخدمات المقدمة، خصوصًا لمرضى السرطان.

لطالما كانت معاناة مرضى السرطان في اليمن تشكل أزمة إنسانية لا بُدَّ من النظر فيها بشكل عاجل وكبير، فلا بُدّ من تضافر الجهود لدعمهم وتوفير احتياجاتهم وأدويتهم وتسهيل وصولهم للعلاج الأنسب، السؤال يبقى: هل سيحلُّ السلام في المستقبل القريب؟ وهل ستتوفر بيئة آمنة لمعالجة الأزمات الصحية التي يعاني منها مرضى السرطان في اليمن؟

‫شاهد أيضًا‬

(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان

علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …