مريضات السرطان في اليمن؛ صراع مع المرض وأعباء الحياة
ياسمين عبدالحفيظ – صوت الأمل
في عام 2020م، رحلت عبير محمد (اسم مستعار) بعد صراع طويل مع مرض السرطان؛ إذ عانت أسرتها من صعوبات كبيرة في توفير العلاج والخدمات الصحية الضرورية، بسبب الحالة الاقتصادية الصعبة.
فقد لجأت الأم إلى أهل الخير طلبًا للمساعدة لعلاج ابنتها، وعلى الرغم من الدعم المحدود الذي حصلت عليه من الجمعيات الخيرية والمراكز المختصة، فإنّ هذا الدعم لم يغطِّ احتياجات عبير من الأدوية، والأكسجين، والتغذية اللازمة، والأدوات الطبية الأساسية، فضلًا عن احتياجها للنزهات لتحسين حالتها النفسية؛ إذ إنّ البقاء في المنزل طوال الوقت أثّر سلبًا على صحتها.
تقول والدة عبير: “أن تكوني مريضة سرطان في اليمن يعني أن تموتي ببطء، تواجهين عذابًا مستمرًا إلى جانب ألم المرض، وأنّ الحصول على الخدمات والعلاج يتطلب مضاعفة المعاناة، وأنّ المراحل العلاجية مليئة بالتحديات، وللأسف أثناء رحلة علاج ابنتي اكتشفت أنّ الواقع أليم وصعب”.
واقع المرأة المصابة بالسرطان
الدكتورة غادة محمد عبد العزيز، مختصّة أمراض الدم والأورام، تؤكد أنّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العديد من النساء في اليمن تعوق وصولهنّ إلى المدن التي تحوي مراكز صحية تقدّم الخدمات اللازمة لمرضى السرطان. وتشير إلى أنّ غالبية النساء المصابات بالسرطان في اليمن يكتشفنَ المرض في مراحل متأخرة، وذلك بسبب تأخرهنّ في إجراء الفحوصات، في حين أنّ الرجال يجدون سهولة في الوصول إلى المراكز الصحية دون أي معوقات.
وتوضح أنّ بعض النساء المصابات بسرطان الثدي يصلنَ إلى الطبيب بعد أن يكون المرض قد انتشر بشكل كبير، وتسبب في تآكل الثدي بأكمله، وعندما يُسألنَ عن سبب تأخر الزيارة، يكون السبب أنّ المنطقة التي يقطنَّ بها بعيدة عن أماكن تقديم الخدمات الصحية، أو أن تكلفة الوصول إلى هذه المراكز تعدُّ عبئًا كبيرًا، أو لعدم وجود مرافقين من الرجال يساعدُونهنّ.
وتضيف عبد العزيز: “أنّ كثيرًا من النساء المصابات بالسرطان يُهملنَ صحتهنَّ بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مما يجعلهنَّ يتجاهلنَ أي علامات قد تظهر على أجسادهنّ، على أمل أن تختفي من تلقاء نفسها، وفي كثير من الأحيان، تكتشف المرأة أنّ ما تعانيه هو ورم، ومع تأخير الكشف، يتسارع انتشاره في أجزاء أخرى من الجسم”.
وتؤكد أنّ التشخيص المبكر يُسهم بشكل كبير في تحسين فرص العلاج؛ إذ تقول: “كلَّما كان الكشف عن المرض في مرحلة مبكرة، كان العلاج أسهل وأفضل، أما في المراحل المتأخرة، تصبح الاستجابة للعلاج ضعيفة، ويواجه الأطباء صعوبة في بدء العلاج الكيماوي؛ بسبب المضاعفات التي قد تكون أصابت المريضة، مثل نقص الصفائح الدموية، أو ضعف المناعة، أو الإصابة بعدوى بكتيرية معينة، ممّا يمنع الأطباء من بدء العلاج الفعّال”.
يتفق متخصصو الأورام في اليمن على أنّ أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين النساء في البلاد يتمثل في سرطان الثدي بدرجة رئيسية، وسرطان عنق الرحم، بالإضافة إلى أنواع أخرى؛ مثل سرطان القولون، والغدد الليمفاوية، وسرطان المبيض، وسرطان الدم الحاد والمزمن.
وتؤكد الطبيبة غادة عبد العزيز أنّ انتشار السرطان بين النساء في اليمن يرتبط بشكل كبير بالبيئة والمناطق التي يعشنَ فيها، فتوجد مناطق تكثر فيها المصانع التي تُسهم في انتشار أنواع معينة من السرطان بين سكانها، مثل سرطان الدم المزمن في بعض المناطق، في حين تزداد إصابات سرطان الدم الحاد في مناطق أخرى. كما أنّ سرطان الغدد الليمفاوية هو الأكثر شيوعًا في بعض المناطق.
من جهته، يقول الطبيب هلال نعمان، اختصاصي علاج الأورام: “إنّ سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم يُعدّان من أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء في اليمن، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى قلة الكشف المبكر عن هذه الأنواع من السرطان، أما سرطان المبيض فعلى الرغم من وجود حالات إصابة به، فإنّه أقل شيوعًا مقارنة بسرطان الثدي وعنق الرحم”.
ويشير أيضًا إلى أنّ سرطان القولون شهد زيادة في الوعي كأحد القضايا الصحية المهمة، إلّا أنّ الاهتمام به لا يزال أقل في المجتمع اليمني.
ويؤكد الطبيب نعمان ضرورة تكثيف حملات التوعية بأهمية الفحص المبكر للسرطان، والتثقيف الصحي عن هذه الأنواع من السرطان؛ إذ إنّ الكشف المبكر يمكن أن يحسّن بشكل كبير من فرص التشخيص والعلاج الفعّال للنساء المصابات.
ويرى أنّ واقع المرأة اليمنية المصابة بالسرطان يعكس تحديات واسعة ومعقدة، في ظل النزاعات المستمرة والظروف الاقتصادية الصعبة؛ إذ تواجه النساء المصابات بالسرطان مجموعة من المشاكل التي تتعلق بالرعاية الصحية، وتتمثل في: نقص الخدمات الصحية، وصعوبة الوصول إلى مراكز العلاج، وصعوبة تحمل تكاليف العلاج، وتعرض النساء لمشاعر الوصمة أو العزلة بسبب مرضهنّ، ونقص التوعية عن أهمية الكشف المبكر عن أعراض السرطان، بالإضافة إلى افتقار العديد من النساء في اليمن إلى الدعم النفسي المستمر.
سرطان الثدي وأكتوبر (الوردي)
يحتفل العالم في شهر أكتوبر بالتوعية بسرطان الثدي من كل عام، ويأتي الهدف من ذلك تكثيف التوعية بمخاطر هذا المرض، وطرق علاجه، وكيفية الوقاية منه، وحماية النساء في العالم من خطره؛ كونه قد قضى على كثير منهنّ.
تعدُّ حملة “أكتوبر الوردي” التي انطلقت في عام 2006م، إحدى أبرز الحملات العالمية التي تهدف إلى رفع الوعي بمخاطر سرطان الثدي، وخُصِّص الشهر الوردي لتسليط الضوء على أهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي، الذي يعدُّ أحد العوامل الأساسية في محاربته ونجاح العلاج قبل انتشاره إلى أجزاء أخرى من الجسم.
وفي إطار هذه الحملة، تُنظم العديد من الفعاليات والأنشطة التوعوية في مختلف دول العالم في شهر أكتوبر، بهدف توعية النساء للوقاية من العوامل المساعدة على انتشار سرطان الثدي، وأهمية الفحص الدوري، والطرق المختلفة للعلاج.
تقول الطبيبة غادة عبدالعزيز: “إنّ الأسباب الدقيقة لسرطان الثدي لا تزال غير معروفة، ولكن هناك عوامل تساعد في زيادة احتمالية الإصابة، وتُعرف بعوامل الخطر، من بين هذه العوامل: التعرض للإشعاعات، أو البيئة التي تعيش فيها المريضة، التي قد تكون مشجعة للإصابة بأنواع معينة من السرطان، كما تلعب العوامل الوراثية دورًا في زيادة مخاطر الإصابة، مثل أن تكون الأم أو الخالة أو العمة قد أُصبنَ بهذا المرض، أي الأقارب من الدرجة الأولى، وتشير بعض الدراسات إلى أنّ السمنة قد تكون من العوامل المساعدة للإصابة بسرطان الثدي”.
وتوضح أنّ من أهم علامات سرطان الثدي التي قد تظهر لدى النساء، هي وجود كتلة في الثدي قد تكون صغيرة أو كبيرة الحجم، وفي الغالب قد تكون غير مؤلمة، ولكن في بعض الحالات قد تكون مؤلمة. كما تشير إلى أنه قد تظهر إفرازات غير طبيعية من الثدي، مثل الإفرازات الدموية أو اللبنية، وهو ما يعدُّ من الأعراض المهمة التي تستدعي استشارة الطبيب.
وتضيف: “من العلامات الأخرى التي قد تشير إلى وجود سرطان الثدي، هي التغيرات في شكل الثدي، وتسمى بـ(البرتقالة)، بالإضافة إلى تغيّر في شكل الحلمة؛ مثل انحنائها أو دخولها إلى الداخل. وفي بعض الحالات قد تظهر كتلة في منطقة الإبط، وهي أيضًا مرتبطة بالثدي، كما يمكن أن تكون هناك حكة في الثدي، وبعض أنواع السرطان قد تسبب تقشيرات على جلد الثدي، إلا أنّ هذه الحالة نادرة مقارنة بالأعراض الأخرى، مثل الكتلة أو الإفرازات الدموية”.
أما بشأن الوقاية من سرطان الثدي، تؤكد الطبيبة غادة أنّ الفحص المبكر هو أفضل وسيلة للوقاية من المرض، ويشمل الفحص نوعين: الأول هو الفحص الذاتي الذي تقوم به النساء في المنزل، وهو أمر يجب أن يكون شهريًا، عادة بعد انتهاء الدورة الشهرية؛ إذ يمكن أن تساعد هذه المدّة في التمييز بين الكتل الطبيعية وغير الطبيعية، الثاني هو الفحص الذي يكون بواسطة طبيب مختص أو في المراكز الصحية التي تنظم أنشطة توعية، مثل (اليوم الوردي) الذي يقام في شهر أكتوبر من كل عام.
وتؤكد -أيضًا- أهمية إجراء الفحص المنتظم لدى النساء اللاتي يكون لديهن تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الثدي، خاصة إذا كان أحد أقاربهنّ من الدرجة الأولى (مثل الأم، أو الأخت، أو الخالة) قد أصيب بالمرض، وتوضح أنه في هذه الحالة يُفضل أن يكون الفحص الذاتي تحت إشراف طبيبة مختصة، مع ضرورة إجراء الفحص الدوري كل ثلاثة إلى ستة أشهر؛ إذ إنّ هذه الإجراءات تُقلّل من الإصابة بسرطان الثدي، وتساعد على إيقاف انتشار المرض وسرعة معالجته.
إحصائيات
وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، الذي نُشر في عام 2019م تحت عنوان: (مرضى السرطان يواجهون خطر الموت في اليمن)، يواجه أكثر من 35,000 مريض بالسرطان في اليمن تحديات صحية واقتصادية كبيرة، وأوضح التقرير أن المركز الوطني لعلاج الأورام في صنعاء يستقبل ما يقارب 600 مريض شهريًّا، بمعدل 25 حالة يوميًا.
وتُظهر الأرقام أن العدد المتزايد لحالات السرطان استدعى تدخل المنظمات الإنسانية الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، التي قدمت دعمًا حيويًّا للمراكز الصحية المتخصصة في علاج السرطان؛ إذ تضمن الدعم الذي قدمته المنظمة: توزيع الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية على نحو 30,000 مريض على مدار عام، وهو ما أسهم في تخفيف معاناة المرضى في ظل الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يمر بها اليمن.
كما أوضحت منظمة اليونيسف أنّ سرطان عنق الرحم يُعدُّ من أكثر أنواع السرطان فتكًا بالنساء؛ إذ يتسبب في وفاة امرأة واحدة كل دقيقتين على مستوى العالم، وفي عام 2022م، أسفر عن وفاة ما يقارب 350,000 امرأة، بالإضافة إلى تشخيص نحو 700,000 حالة جديدة.
ومن جانبها، أشارت منظمة أطباء بلا حدود إلى أنّ 85% من النساء اللواتي يُصبنَ بسرطان عنق الرحم يعشنَ في دول ذات دخل منخفض أو متوسط؛ إذ يعدُّ السرطان من أكثر الأمراض فتكًا بالنساء في 42 بلدًا.
في اليمن، الوضع أكثر تعقيدًا؛ إذ تُفحص امرأة واحدة فقط من كل 10 نساء مصابات بسرطان عنق الرحم في السنوات الخمس الأخيرة، وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، وأنّ في عام 2019م، تجاوز عدد الوفيات الناتجة عن المرض 100 امرأة.
ويحتل سرطان عنق الرحم المرتبة الثانية عشرة في قائمة الأمراض الأكثر شيوعًا بين النساء في اليمن، وفقًا لمركز معلومات ICO/IARC. وتشير تقديرات المركز إلى تشخيص أكثر من 200 حالة جديدة سنويًّا، في حين يتسبب المرض في وفاة أكثر من 150 امرأة سنويًّا.
(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان
علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …