ضد الخذلان… مبادرات شبابية لدعم مرضى السرطان في اليمن
حنين الوحش – صوت الأمل
كان منتصف نوفمبر من العام 2024م يومًا مختلفًا لمرضى السرطان في مركز الأمل بتعز، ففي حين يواجه المركز تداعيات النزاع وحيدًا إلّا من مبادرات موسمية قليلة، قرر الشاب (منير المشولي) أن يقيم عرسه في مركز الأمل، وأن يتبرع بتكاليف العرس للمرضى.
يعطي الشاب منير درسًا ملهمًا للفاعلين الإنسانيين وللمجتمع المحلي، مضمونه أنّ الفرح لا يمكن أن يكبر وينمو دون إدخاله في قلوب الآخرين، ومنهم مرضى السرطان، الفئة التي غيبتها ظروف النزاع، وانصراف المجتمع نحو قضاياه اليومية.
مبادرة الشاب وصفها مدير مركز الأمل للسرطان في تعز بأنّها لمسة إنسانية عميقة تحيي روح التضامن في المجتمع، خصوصًا في أوقات الأزمات؛ إذ عدّها الدكتور مختار المخلافي، مدير مركز الأورام في تعز، دعمًا نفسيًّا للمرضى متجاوزًا الدعم المالي الذي حاول الشاب تقديمه بإمكانيات بسيطة.
وتضمنت مبادرة العريس زيارة الأطفال من مرضى السرطان، وتقديم الهدايا لهم والتقاط صور تذكارية، وعدّها مراقبون أنها تدشين لمرحلة جديدة من الدعم الخيري لمرضى السرطان، داعينَ الشباب لأن يتخذوه قدوة.
فعاليات شبابية
يمكن للشباب أن يلعبوا دورًا محوريًّا في التخفيف من معاناة مرضى السرطان في اليمن عبر عدة طرق، منها العمل كمتطوعين في مراكز علاج السرطان لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى وأسرهم، وتنظيم جلسات استماع ومواساة للمصابين، وتحفيزهم على الاستمرار بالعلاج، وإطلاق حملات لجمع التبرعات على مستوى المجتمع المحلي أو عبر الإنترنت لشراء الأدوية وتوفير العلاجات للمرضى، وتنظيم فعاليات توعوية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن أهمية الكشف المبكر عن السرطان، وطرق الوقاية منه.
كما لدى الشباب القدرة في نشر الوعي الصحي بين الشباب أنفسهم في المدراس والجامعات، ليكونوا قدوة في المجتمع، وإنشاء مبادرات شبابية لتقديم خدمات مباشرة، مثل توفير وسائل النقل للمرضى من المناطق النائية إلى مراكز العلاج، واستخدام المنصات الإعلامية لعرض قصص نجاح المرضى الذين تجاوزوا مراحل العلاج، لتشجيع الآخرين وتعزيز الروح الإيجابية، وغيرها من الطرق المؤثرة.
شكل العام 2024م عنوانًا واسعًا للتضامن المجتمعي مع مرضى السرطان، جسدته مبادرات شبابية بإمكانياتها البسيطة، وكانت الأطباق الخيرية هي المكون الأبرز في مختلف المبادرات في العديد من المحافظات اليمنية.
ويرصد التقرير عددًا من المبادرات الشبابية التي بدأت في العام 2024م تزامنًا مع اليوم العالمي للسرطان، من بينها مبادرات نفذتها شركات ومتاجر خاصة، كتلك التي دشنها مطعم المعلم في صنعاء، وتضمنت المبادرة إعداد أطول شطيرة زنجر، ضمن أطباق خيرية ذهبت أرباحها لدعم الأطفال المصابين بالسرطان.
وفي تعز نفذت مبادرة وفاق للسلام عددًا من الأنشطة المدرسية تهدف إلى جمع التبرعات دعمًا لمركز الأمل لعلاج الأورام.
وقالت صفاء قاسم، مسؤولة المتابعة في المبادرة: “إنّ الفريق استهدف ثماني مدارس في تعز بأنشطة مختلفة، منها توزيع ظروف تابعة لمؤسسة الأمل، وبيع بعض الأطباق الخيرية لجمع التبرعات، وإيصال رسالة لأهالي الطلبة وللمجتمع عن حاجة المركز للدعم لضمان استمراره في تقديم الخدمات”.
كما أقامت جمعية بلقيس اليمن فعالية تحت شعار (سأبدأ عامي بخير) في نهاية يناير من العام الجاري 2024م، تضمنت الفعالية فقرات فنية وطبقًا خيريًّا لصالح الحملة التي تهدف إلى دعم مرضى السرطان.
دعم معنوي
استهلم شباب يمنيون نماذج من دول عدة لإقامة مبادرات تهدف لدعم مرضى السرطان، من بينها مبادرة (عربكم) التي تأسست في الأردن؛ إذ نقلها عدد من الشباب إلى اليمن، وتهدف إلى الترفيه عن الأطفال المصابين بالمرض بعد الانتهاء من الجرعات الكيماوية بما يحقق التنميّة التشاركيّة الشاملة والمستدامة، إضافة إلى ترسيخ ثقافة التعاون، وتطوير روح المبادرة لتنميّة التكافل.
تقول إحدى المشاركات في المبادرة: “إنّ الهدف منها التخفيف عن مرضى السرطان من الأطفال، عبر توزيع الألعاب ومشاركتهم اللعب بعد جرعة الكيماوي العلاجية بعدِّها الأكثر ألمًا وإحباطًا في مسيرة العلاج”.
بوادر فردية وموسمية
قال الدكتور شوقي المخلافي (متخصص عناية): “هذه البوادر بحاجة لتشجيع مستمر من قبل الجهات الداعمة كافة، وهي بذور خير في مجتمع يعاني من سلسلة أزمات مزقت فيه روح التضامن، كان لمرضى السرطان النصيب الأكبر من هذه المعاناة”.
وأكّد أنّ هذه البوادر ستحقق أثرًا إيجابيًّا في حال تكاملت فيما بينها بعيدًا عن الفردية التي تتصف بها، كما وصفها بالموسمية، وهو ما يجعل نتائجها محدودة في نظره.
ودعا المجتمع الدولي والمحلي إلى دعم هذه المبادرات، كما دعا الشباب إلى جعلها مستمرة حتى تحقق نتائجها المرجوة، وتسهم في التخفيف من حِدّة الضغوط التي يتعرض لها القطاع الصحي مع تردي الأوضاع.
الشاب نشوان الشميري أكّد أنّ المجتمع بحاجة إلى حملات توعوية تسهم في إعطائه دروسًا عن أهمية تشجيع هذه المبادرات، وأهمية دعم المرافق الصحية المختصة لكي تستمر في عطائها.
وذكر أنه ترأّس عددًا من المبادرات الإعلامية التي تهدف إلى حشد التمويلات المجتمعية لدعم مرضى السرطان، غير أنّ نسبة التفاعل كانت قليلة؛ نتيجة للوضع المعيشي السيّئ الذي يعيشه المجتمع.
ونوه بأهمية أن يرافق فرقَ المبادرات عددٌ من العاملين في المرافق الصحية المختصة بعلاج السرطان؛ لكي تحظى بثقة الناس، وتصبح الجهود أكثر تناسقًا وتكاملًا.
وتلعب المبادرات الشبابية دورًا حاسمًا في دعم مرضى السرطان، لا سيّما في ظروف صعبة مثل تلك التي يشهدها اليمن. هذه المبادرات تجسد روح التضامن والإنسانية، وتسهم بشكل فعّال في تحسين حياة المرضى وأسرهم.
ومن شأن هذه المبادرات أن تعزز التماسك الاجتماعي، وتشجع على العمل التطوعي، وتشجع الشباب على المشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية، كما تتيح للمرضى فرصة للتواصل مع الآخرين الذين يعانون من نفس المرض، ممَّا يساعدهم على مشاركة تجاربهم ومشاعرهم.
معاناة مستمرة
يواجه مرضى السرطان في اليمن تحديات هائلة تتجاوز بكثير تلك التي يواجهها مرضى السرطان في ظروف طبيعية. فالسنوات الطويلة من الصراع الدائر في البلاد أدّت إلى تدهور حادّ في النظام الصحي، ممَّا زاد من معاناة هؤلاء المرضى.
ويعاني اليمن من نقص حادٍّ في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية لعلاج السرطان، ممَّا يؤثر بشكل مباشر على فرص الشفاء لدى المرضى، كما تسبب النزاع المسلح في توقف العديد من المرافق الصحية عن العمل، أو تدهور قدراتها بشكل كبير، ممَّا يجعل الوصول إلى العلاج متعذّرًا بالنسبة للكثير من المرضى.
ويشير عدد من المرضى إلى أنه حتى مع توفر العلاج، فإنّ تكاليفه مرتفعة للغاية بالنسبة للغالبية منهم، ممَّا يجعل العلاج خارج متناول أيدي الكثيرين.
كما يعاني كثير من المرضى صعوبةً في الوصول إلى المراكز الطبية؛ بسبب تدمير الطرق، وارتفاع أسعار الوقود، وهي أسباب أدّت إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين مرضى السرطان في اليمن.
ويقول الدكتور شوقي المخلافي: “على الرغم من كل هذه التحديات، هناك العديد من المنظمات الدولية والإنسانية التي تعمل على تقديم المساعدات لمرضى السرطان في اليمن، ولكن هذه الجهود لا تزال غير كافية، دون أن تواجه بإسناد مجتمعي، عن طريق تفعيل دور المبادرات الشبابية بالشكل الذي يجب، وعبر برنامج موحّد”.
(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان
علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …