رحلة العلاج كابوس يؤرّق مرضى السرطان في اليمن
ياسمين عبدالحفيظ – صوت الأمل
في عام 2019م، صُدمت (ناهد أحمد) بخبر إصابتها بسرطان الدم، لتبدأ مع عائلتها رحلة مليئة بالتحديات والآلام، كانت البداية في مدينة الحديدة حيث تسكن، ولكن سرعان ما اكتشفت العائلة أنّ الخدمات الصحية المتوفرة هناك لا تلبي احتياجاتها الطبية المتخصصة.
أُجبِرت الأسرة على السفر مرارًا إلى صنعاء لتلقي الفحوصات والحقن والعلاجات اللازمة في مركز يقدم خدمات أفضل لمرضى السرطان، هذا التنقل المتكرر بين الحديدة وصنعاء لم يكن سهلًا؛ فقد استنزف الإمكانيات المادية المحدودة للأسرة، وحرمها من الاستقرار الضروري في مُدّة العلاج الحرجة.
في مواجهة المرض، تتحول الحياة إلى معركة تتطلب تضحيات جسيمة، وهذا ما تعكسه كلمات والدة ناهد أحمد، التي تصف الرحلة المؤلمة التي عاشتها العائلة أثناء علاج ابنتها المصابة بسرطان الدم. تقول الأم: “بعتُ كل ما أملك من مجوهرات، وباع زوجي قطعة الأرض التي كان يخطط لبناء منزل لنا عليها بعد سنوات من المعاناة مع الإيجار، كنا نحلم ببيتٍ مستقر، لكن كل الأموال التي جمعناها استنزفت في مصاريف العلاج، وتكاليف السفر المتكرر بين الحديدة وصنعاء في الشهر أكثر من مرة، والإقامة، والمواصلات، والمصاريف اليومية أرهقتنا، ولم نستطع الحصول على الأدوية مجانًا، وكانت تكاليف الإبر والعلاجات باهظة”.
لم تقتصر المعاناة على تكاليف العلاج، بل تجاوزتها لتشمل تحديات الحياة اليومية؛ إذ تضيف الأم بحزن: “توفير الغذاء اللازم لناهد كان تحدّيًا كبيرًا، احتاجت إلى تغذية خاصة لضعف مناعتها، لكنّنا كنّا نواجه صعوبة في توفير الميزانية لذلك؛ إذ زوجي يعمل سائقًا لباص أجرة، ودخله بالكاد يغطي احتياجاتنا الأساسية، خاصة مع وجود خمسة أبناء يحتاجون إلى الرعاية والاحتياجات اليومية، لقد مررنا بأكثر من عامين من الضغوط النفسية والمالية”.
وسط معركة ناهد أحمد مع سرطان الدم، كانت العائلة تقف أمام واقع مؤلم، فقد أوصوا الأسرة بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج المناسب، وتلقي الرعاية الطبية المناسبة، إلّا أنّ هذا الحل كان يتطلب إمكانيات مادية لا تملكها الأسرة، فقد اضطرّت العائلة إلى طلب المساعدة من أهل الخير والمقربين، وعلى الرغم من حصولهم على وعود بالمساعدة، ظل الأمل في تحقيق تلك الوعود هو ما يمنحهم القوة للاستمرار، وبدأت تعامل إجراءات السفر الأولية.
تقول أم ناهد بألم: “بدأنا إجراءات السفر وانتظرنا شهرين، متشبثين بالوعود التي حصلنا عليها من أهل الخير وبعض الأقارب من التجار والأغنياء، لكن الوقت لم يكن في صالحنا؛ إذ انتشر المرض سريعًا في جسد ابنتي وتُوفِّيت، وكان الأطباء قد حذرونا مرارًا من عواقب تأخير العلاج، لكن الفقر الذي عشنا فيه جعلنا عاجزين عن التحرك؛ إذ إنّ السفر للخارج قد يكون أمرًا يسيرًا للأغنياء، لكن بالنسبة للفقراء، يعدُّ حلمًا بعيد المنال؛ حلمًا قد يموتون وهم ينتظرونه”.
ضريبة التأخير
لا تختلف قصة (سمر عبد الرقيب) كثيرًا عن معاناة ناهد أحمد؛ فهي الأخرى كانت ضحية لتأخّر الدعم اللازم من المؤسسة التي كان يعمل بها زوجها لعلاجها، وهو ما أدّى في تفاقم مرضها.
تروي شقيقة زوج سمر تفاصيل القصة: “أخي يعمل في مؤسسة حكومية، وعندما أُصيبت زوجته بمرض السرطان، تقدّم بطلب مساعدة مالية من المؤسسة لتغطية تكاليف سفرها إلى مصر للعلاج، حصل على وعود بالدعم المالي، لكنه ظلَّ يتابع الإدارة باستمرار دون جدوى، وفي كل مرة كان يُحدد له موعدٌ لاستلام المبلغ، لكنه يُفاجأ بتأجيله إلى موعد آخر، وهذا التأخير استمرَّ لشهرين، في حين كانت صحة زوجته تتدهور”.
وتتابع: “في مدّة الانتظار، كان الطبيب المشرف على حالة سمر يحذر زوجها مرارًا من خطورة تأخير العملية الجراحية، وأنّ المرض بدأ ينتشر بشكل أسرع، لكن الظروف المالية القاسية أجبرت أخي على الانتظار، غير قادر على تأمين تكاليف العلاج بمفرده”.
بعد معاناة استمرّت شهرين في انتظار الدعم المالي من المؤسسة الحكومية التي يعمل بها زوجها، حصلت الأسرة أخيرًا على المبلغ اللازم، وانطلقت سمر عبد الرقيب برفقة زوجها وشقيقه إلى مصر، متشبثة ببصيص أمل في العثور على الرعاية الصحية التي افتقدتها في وطنها.
الأسباب التي تجبر المرضى للسفر
تدهور الخدمات الصحية في اليمن على مدار سنوات طويلة جعل من السفر للخارج ضرورة لكثير من المرضى اليمنيين الباحثين عن العلاج، مع ندرة المرافق الصحية المتخصصة، وقلة الإمكانيات الطبية المتوفرة داخل البلاد، باتت الدول العربية والأجنبية الوجهة الأولى لكثير من اليمنيين الذين يعانون من أمراض خطيرة تحتاج إلى رعاية طبية متقدّمة.
وتعدُّ مصر والهند والأردن أكثر الدول التي تشهد تدفق عدد كبير من مرضى السرطان اليمنيين الذين يبحثون عن الخدمات الصحية لعلاج مرضهم، وجاء القرب الجغرافي والسمعة الطيبة في تقديم خدمات صحية عالية الجودة وبأقل التكاليف من أبرز العوامل التي تجعل اليمنيين يتوجهون إليها.
يشرح الدكتور ياسر عبدالله نور، عضو هيئة التدريس بجامعة الحديدة، بعض الأسباب التي تدفع مرضى السرطان في اليمن إلى السفر للخارج لتلقي العلاج، مشيرًا إلى عوامل نفسية، ومادية، وثقافية تؤثّر في اتخاذ هذا القرار.
ويقول: “هناك شائعات منتشرة عن ضعف التشخيص الطبي في اليمن؛ إذ تُروى قصص عن مرضى شُخِّصوا محليًا بالإصابة بالسرطان، ولكن بعد سفرهم إلى دول مثل الهند، أو الأردن، أو مصر، تبيّن أنّ التشخيص كان خاطئًا ولم تكن لديهم أورام، وهذا يؤدّي إلى تراجع الثقة بالكادر الطبي المحلي، والتوجه للخارج بحثًا عن تأكيد التشخيص والعلاج”.
ويرى الدكتور أنّ المرضى القادرين ماديًّا غالبًا ما يفضلون تلقي العلاج في الخارج؛ إذ يعتقدون أنّ الأنظمة الصحية هناك أفضل تجهيزًا، ما يمنحهم شعورًا بالاطمئنان، ويشير إلى أنّ الشهرة الواسعة التي تتمتع بها مراكز طبية في دول مثل مصر والهند والأردن تُعدُّ عامل جذب لكثير من المرضى اليمنيين، الذين يرونها وجهات تقدّم خدمات علاجية متقدمة وموثوقة.
وأوضح أنّ المرضى الذين سبق أن عولجوا في الخارج غالبًا ما يروون تجاربهم الإيجابية لغيرهم داخل اليمن، وهذه التجارب الشخصية تسهم في دفع المرضى الآخرين لاتخاذ قرار السفر، ورغم كل ذلك، فإنّ هناك كثيرًا من المرضى الذين يُعالجون داخل اليمن، خاصةً من لا تسمح ظروفهم المادية بالسفر. لكنهم يواجهون تحديات كبيرة؛ بسبب نقص الإمكانات والخدمات الطبية اللازمة لعلاج السرطان.
دور المركز والمؤسسات الداعمة
تسلط الدكتورة أميمة أحمد الحمزي، مشرفة مركز الحياة للكشف المبكر التابع للمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان في عدن، الضوء على الجهود الحثيثة التي تبذلها المؤسسة لدعم مرضى السرطان، وتوفير خدمات طبية واجتماعية شاملة، رغم التحديات الصحية والاقتصادية التي تواجهها اليمن.
وتوضح أنّ المؤسسة تقدّم مجموعة واسعة من الخدمات الطبية المباشرة لمرضى السرطان، بداية من التشخيص المبكر، وتوفير خدمات الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة مع توفير المستلزمات الضروري، والاستشارات، والعلاج الطبي، عبر توفير طبيب متخصص في الأورام يحضر إلى المؤسسة مجانًا يوم الثلاثاء من كل أسبوع لمعاينة المرضى، كما تعمل المؤسسة على دعم التدخلات الجراحية بشكل مجاني بالكامل، بالإضافة إلى تقديم الدعم الاجتماعي عبر توزيع السلل الغذائية والمبالغ المالية للمرضى.
وتضيف في حديثها: “في مركز الحياة للكشف المبكر يقدّم خدمات مباشرة للزائرين الراغبين للكشف، أو لمرضى السرطان لمتابعة التقييم العلاجي لهم؛ إذ يحتوي المركز على عيادة الالتراساوند المتخصصة في عملية الكشف عن الثدي، والرقبة، والبطن، والحوض، وجهاز الماموجرام المتخصص بالكشف عن سرطان الثدي، وعيادة عنق الرحم باستخدام جهاز الكولبسكوب، وإجراء مسحة PapSmear ، وعيادة الدعم النفسي والتدريب والتأهيل لمرضى السرطان.
وتشير الدكتورة الحمزي إلى التعاون مع مؤسسة اليمن في مصر لتنسيق علاج مرضى سرطان الغدة الدرقية باستخدام جرعات اليود المشع؛ إذ تتكفّل المؤسسة بكامل تكاليف المريض والمرافق، بما في ذلك الإقامة والعلاج.
عن دور الجهات الحكومية
تبدأ سامية مهيوب، البالغة من العمر 33 عامًا، حديثها عن تجربتها الصعبة مع مرض سرطان الدم؛ إذ تشير إلى أنها كانت تتمنى أن تتمكن من إتمام علاجها داخل اليمن، حيث أهلها وأصدقاؤها، لكن تردِّي الخدمات الصحية في المستشفيات والمرافق الطبية في البلاد كان أكبر عائق أمامها، الأمر الذي جعلها تشعر بقلق مستمر، ممّا أجبرها على اتّخاذ قرار السفر إلى مصر لتحصل على العلاج اللازم.
وتقول: “تلقيت دعمًا من أهل الخير والتجار، كما بعتُ ما بحوزتي من مجوهرات، وحصلت على المساعدة من أهلي، وهناك وجدت العلاجات كافة، وخضعت لإجراء فحوصات طبية عجزت عن إجرائها في اليمن، وبدأت صحتي تتحسن للأفضل”.
وتؤكد سامية أنّها لم تتلقَ أيَّ دعم يذكر من الجهات الحكومية؛ لا في اليمن ولا حتى في الخارج، وأنّها تعرّفت على مرضى آخرين وأخبروها أنّهم لم يحصلوا على أيّ مساعدة من الحكومة كما هو الحال معها.
من جانبها، تتحدث مروى العريقي، الناشطة الصحفية عن معاناة مرضى السرطان في اليمن، مؤكّدة أنّ الجهات الحكومية لا تقدّم الدعم الكافي لهؤلاء المرضى. وتقول: “لا يوجد أي دعم يُذكر من قبل الحكومة لمرضى السرطان، بل حتى المؤسسات الخاصة التي تعتمد على تبرعات رجال الأعمال والتجار لا تستطيع توفير جميع الأدوية، بل بعض الأدوية فقط”.
وعلى الرغم من غياب الدعم الحكومي في العديد من الجوانب، تذكر العريقي أنّ مصلحة الهجرة والجوازات قامت بدور إيجابي في تسهيل إجراءات السفر للمرضى؛ إذ تقول: “من تجربتي الشخصية، لاحظتُ تفاعل مصلحة الهجرة والجوازات في إخراج جوازات سفر بشكل عاجل لمرضى السرطان في محافظة تعز، ما سهّل عليهم السفر إلى الخارج لتلقي العلاج دون تأخير”.
وترى أنّ الحكومة يجب أن تأخذ دورها بشكل فعّال في مساعدة مرضى السرطان، عبر توفير جميع الأدوية بالمجان، والتأكد من عدم تهريب الأدوية، وأنها قد شُحِنت بطرق سليمة، وهو ما يساعد في تحسين فرص العلاج للمرضى داخل اليمن، ويقلل من معاناتهم.
وتختتم العريقي حديثها مؤكدة على ضرورة أن تقوم الجهات المختصة بتقديم دور أكبر في دعم مرضى السرطان، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب اليمني بسبب الصراع وتدهور الخدمات الصحية.
(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان
علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …