‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة السرطان في اليمن تطوير الرعاية الصحية؛ رؤية مستقبلية لمكافحة السرطان في اليمن

تطوير الرعاية الصحية؛ رؤية مستقبلية لمكافحة السرطان في اليمن

هبة محمدصوت الأمل

في ظل التحديات الصحية الهائلة التي تواجهها اليمن، يظل الارتقاء بجودة الخدمات الصحية المقدّمة لمرضى السرطان أمرًا حيويًّا وضروريًّا، وتعدُّ الحاجة إلى رؤية مستقبلية شاملة لتطوير هذه الخدمات أمرًا حاسمًا لضمان توفير رعاية صحية ملائمة وفعّالة للمرضى.

اليمن، على الرغم من تحدياتها الكبيرة، تستحق رعاية صحية متطورة ومبتكرة تليق بكل مواطن فيها، خصوصًا تلك المتأثرة بمرض السرطان. في هذا التقرير تحدثنا مع بعض الجهات المختصة في مؤسسات السرطان ومراكز الأورام في اليمن، لمعرفة التحديات الراهنة وفهمها، ووضع مقترحات مستقبلية قادرة على تحسين الخدمات الصحية لمرضى السرطان في اليمن وتطويرها.

تحسين الخدمات الصحية

ذكر الدكتور هشام سميط، مدير مركز الأورام السرطانية في محافظة حضرموت، أنه يمكن تحسين الخدمات الصحية المقدمة لمرضى السرطان في اليمن في المستقبل، عبر الاهتمام بإنشاء مراكز متخصصة في كل المحافظات، وتكون مجهزة بالكادر المؤهل في جميع تخصصات علاج الأورام سواء للكبار أو الصغار، بما في ذلك جراحة الأورام وتشخيصها بواسطة التقنيات المتقدمة، مثل المسح الذري، بالإضافة إلى توفير العلاج الإشعاعي الضروري.

وأشار إلى أنّ هذه المراكز يجب أن تكون مجهزة بأحدث التجهيزات والتقنيات الطبية اللازمة لتشخيص السرطان وعلاجه بكفاءة عالية، ممَّا سيسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية لمرضى السرطان، وزيادة فرص نجاح العلاج، بجانب تأمين البنية التحتية والتقنيات الحديثة، وينبغي أيضًا توجيه الاهتمام لتدريب الكوادر الطبية والتمريضية المعنية بعلاج السرطان وتأهيلها، لضمان تقديم الرعاية الصحية الأمثل والمتخصصة للمرضى.

عن التقنيات والابتكارات الطبية الجديدة التي يمكن تطبيقها لتحسين رعاية مرضى السرطان في اليمن، أوضح سميط أنّ اليمن تمتلك المقومات الأساسية لعلاج الأورام، ولكنّ هناك بعض الأجهزة الحديثة غير متوفرة، مثل جهاز المسح الذري الحديث الذي يُعَدُّ تقنية حيويّة لتشخيص الأورام بدقة عالية.

مشدِّدًا على ضرورة توفير هذا الجهاز في المرافق الصحية لضمان تشخيص مرضى السرطان في مراحله المبكرة، وتحديد الخطة العلاجية المُثلى.

كما لفت إلى ضرورة استخدام فحوصات الجينات المتقدمة، التي لها دور حيوي في تحديد العلاج الملائم لكل حالة من حالات السرطان، وإلى أهمية توفير هذه الفحوصات التي تساعد في تحسين دقة التشخيص، وتحديد العلاج الأكثر فاعلية.

جودة الدواء

لضمان جودة الدواء واستمرار توفره للمرضى، ذكر الدكتور سميط ضرورة تطبيق معايير صارمة لضمان جودة الأدوية المتوفرة في السوق، ممَّا يتطلب فحصًا دوريًّا للمنتجات، والتحقق من تطابقها مع المعايير الصحية المعتمدة.

وأضاف: “أنّ استمرار توفير الدواء الجيد والفعّال يحتاج إلى دعم مالي متواصل لتمويل شراء الأصناف ذات الجودة العالية، ويجب تخصيص تمويل كافٍ لضمان توفر الأدوية للمرضى”.

وأكّد ضرورة أن تقوم الجهات الحكومية المختصة بمراقبة سلاسل التوريد وإدارتها بشكل فعّال، لضمان استمرارية توفر الأدوية دون انقطاع وبجودة مضمونة، وضرورة أن تكون عمليات شراء الأدوية ومنح التراخيص شفافة ومفتوحة للجميع، خاصة في الوضع الراهن، مع توفير آليات للرقابة والمساءلة لضمان عدم حدوث فساد في هذا الجانب.

إستراتيجيات مقترحة

لتحسين البنية التحتية الصحية لمرضى السرطان في اليمن وتطويرها، وضع القائمون على الجهات المختصة بعض المقترحات التي من اللازم تنفيذها لإنقاذ أرواح ضحايا السرطان المتزايدة يومًا بعد يوم.

 يقول مدير مركز الأمل لأورام السرطان، تعز، الدكتور مختار أحمد سعيد: “هناك كثير من الإستراتيجيات التي يجب تبنيها من قبل الدولة لتحسين البنى التحتية وتطويرها، ومن أهمها اعتماد برامج للتوعية الشاملة تستمر طوال العام، تشمل: رفع الوعي، والتعريف عن أبرز الأعراض وأهمها، وطرق التعامل معها والوقاية، ممَّا يؤدي إلى رفع نسب الشفاء وتخفيف الكلفة”.

ويضيف: “أيضًا توفير مراكز نموذجية في المناطق ذات الكثافة السكانية مجهزة بالأجهزة التشخيصية والكوادر المؤهلة، لتقديم الخدمات بشكل سريع وسليم للمرضى، وبأقل تكلفة على المريض وعلى الدولة كذلك”.

 وأكّد ضرورة اعتماد كفالات دوائية وعلاجية وجراحية للمرضى بشكل سنوي، لكي يُتعامل مع الحالات بالشكل المطلوب، مع تقديم التسهيلات اللازمة للحالات التي تحتاج إلى السفر، وتوفير الخدمات الأساسية في المراكز الحكومية للتخفيف من المعاناة والوصول الأسرع إلى مرحلة الشفاء.

ويكمل: “أنّ إقامة مراكز للكشف المبكر، وإنشاء عيادات متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية يمثل خطوة حيوية في رفع الوعي الصحي، وخفض معدلات الوفيات الناتجة عن التشخيص المتأخر للأمراض السرطانية، وقد أثبتت تجربة “العيادة الوردية” والفريق الميداني للكشف عن سرطان الثدي فعاليتها بعد ثلاث سنوات من بدء تنفيذها في أرياف محافظة تعز؛ إذ أسهمت في تحسين فرص التشخيص المبكر، وتقديم الرعاية الطبية الضرورية للنساء في هذه المناطق”.

ويؤكّد سميط أهمية دعم البحث العلمي في مجال الأورام وتشجيعه، وفهم المسببات وعوامل الخطورة المرتبطة بحدوث السرطان، مع رفع الوعي العام لدى صناع القرار والمواطنين بشأن المرض، وأهمية التشخيص المبكر والعلاج لتقليل العبء الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الإصابة بالسرطان.

كما أشار إلى ضرورة مواكبة التطورات العالمية في علاج السرطان، عبر الاستفادة من الخبرات الدولية، سواء عبر التواصل مع خبراء دوليين لوضع خطط علاجية، خصوصًا لعلاج أنواع السرطان المستعصية، أو ابتعاث الكوادر الصحية للتأهيل والتدريب، أو استقدام أطباء مختصين من الخارج في المجالات التي يفتقر إليها الكادر الوطني، مثل زراعة نخاع العظم، بالإضافة إلى العمل على استفادة الكوادر المحلية من الخبراء الدوليين، سواء في التأهيل أو في وضع إستراتيجيات شاملة، مثل إدخال أنظمة التأمين الصحي لتخفيف أعباء علاج السرطان.

واقترح سميط إنشاء مركز بحثي مختص بالأمراض السرطانية وصندوق لمكافحة السرطان؛ إذ سيسهم هذا الصندوق بشكل فعّال في تطوير الخدمات الصحية المرتبطة بالسرطان في اليمن، وأن المركز البحثي سيتيح تنظيم المؤتمرات وورش العمل لتحديد الاحتياجات الملحة، ووضع خطط علاجية ملائمة لظروف اليمن، والاستفادة من خبرات المختصين، كما سيساعد المركز في تحديد نقاط القوة في المنظومة العلاجية لتعزيزها، والتعرف على نقاط الضعف بهدف إصلاحها وتطويرها.

فيما قال مدير البرنامج الوطني لمكافحة السرطان في وزارة الصحة الدكتور جمال عبد الحميد: “إنّ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان يجب أن تتضمن خططًا واضحة لتدريب الكوادر الطبية وتأمين الأجهزة والمعدات الحديثة”.

وأوضح أنّ الإستراتيجية تهدف إلى رفع مستوى الوعي بشأن مرض السرطان وأهمية الكشف المبكر؛ إذ يلعب التثقيف الصحي دورًا حيويًا في تمكين الأفراد والمجتمعات من اتّخاذ خطوات وقائية تُقلّل من خطر الإصابة بالسرطان، وأنّ الحملات التوعوية تُسهم في تشجيع الناس على إجراء الفحوصات الدورية واعتماد أسلوب حياة صحي.

وأشار أيضًا إلى أهمية التعاون الدولي والمحلي في تنفيذ هذه الإستراتيجية؛ إذ إنّ الشراكات مع المنظمات العالمية والمحلية تعزز تبادل المعرفة والخبرات، وتوفر الدعم المالي والتقني لمراكز الأورام، وأنّ مسودة الإستراتيجية أصبحت جاهزة، وقد سُلِّمت لمنظمة الصحة العالمية، التي ستقوم بتحديد موعد لعقد الورشة الختامية لإقرار الإستراتيجية في المُدّة المقبلة.

البحث العلمي

“تطوير البحث العلمي في بلادنا يعدُّ خطوة حيوية نحو تحسين الوضع الصحي بشكل عام، وبشكل خاص في مجال مكافحة السرطان، وعبر زيادة عدد الأبحاث العلمية في مراكز الأورام في هذا العام 2024م، بالاشتراك مع الجامعات اليمنية، وتحسين أداء سجلات المراكز السرطانية، وتعزيز الأبحاث والتقارير الدورية، ويمكن القول إننا حققنا تقدمًا ملموسًا في فهم المرض وتطوير إستراتيجيات فعّالة لمواجهته”. حسب الدكتور جمال عبد الحميد.

ويواصل: “هذا التقدُّم أسهم بشكل كبير في تحسين جودة الحياة للمرضى، وتعزيز التعاون المشترك مع منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية للطاقة لتطوير بروتوكولات العلاج وفقًا للمعايير الدولية، ونشعر بالتفاؤل تجاه مستقبل أفضل؛ إذ يتم تعزيز الجهود المبذولة في مجال البحث العلمي لمكافحة السرطان وتحسين وضع الصحة العامة في بلادنا”.

 صندوق دعم مرضى السرطان

 في إطار خطوات تحسين الرعاية الصحية لمرضى السرطان في اليمن، يقول الدكتور جمال عبد الحميد: “تعدُّ مكافحة مرض السرطان من أكبر التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في البلدان النامية مثل بلادنا، ومع تزايد معدلات الإصابة بالسرطان، أصبح من الضروري اتّخاذ خطوات فعّالة لضمان توفير الرعاية الصحية اللازمة للمرضى. وفي هذا السياق، يُعدُّ إقرار صندوق دعم مرضى السرطان خطوة حيوية نحو تحسين مستوى العلاج والدعم المقدم للمرضى، ويعكس التزام الحكومة والمجتمع بمواجهة هذا التحدي”.

كما أوضح أنّ صندوق دعم مرضى السرطان يهدف إلى تقديم العلاج بصورة دائمة ومستمرة، ممَّا يخفف من الأعباء المالية التي يتحملها المرضى وعائلاتهم، فعادةً ما تكون تكاليف العلاج مرتفعة، ممَّا يجعل العديد من المرضى غير قادرين على تحمل هذه النفقات عبر الصندوق، كما يمكن تقديم الدعم اللازم لتغطية تكاليف العلاج، بما في ذلك الأدوية، والفحوصات، والعلاج الإشعاعي والكيماوي.

مؤكدًا أنّ وجود هذا الصندوق في دعم المرضى في جميع مراكز الأورام سيمكن المرضى من تلقي العلاج في الوقت المناسب، ممَّا يزيد من فرص الشفاء والتعافي، كما أنه سيساعد في تقليل الحاجة للسفر إلى الخارج للحصول على العلاج، ممَّا يوفر الوقت والجهد، ويخفف من الضغوط النفسية التي يتعرض لها المرضى وعائلاتهم.

وأشار إلى أنّ دور الصندوق لا يقتصر على تقديم الدعم لشراء العلاج الكيماوي والبيولوجي فقط، بل يمتد ليشمل دعم برامج تطوير مراكز الأورام في بلادنا، فكثير من هذه المراكز تعاني من نقص في بعض الموارد والتجهيزات، ممَّا يؤثر سلبًا على جودة الرعاية المقدمة، وذلك عبر توفير التمويل اللازم، كما يمكن تحسين البنية التحتية لمراكز الأورام، وتزويدها بالأجهزة الحديثة، وتدريب الكوادر الطبية.

وختم حديثه بالقول: “إقرار صندوق دعم مرضى السرطان في جميع المراكز يمثل خطوة مهمة نحو تحسين الرعاية الصحية في بلادنا، عبر توفير العلاج بصورة دائمة، ودعم برامج تطوير مراكز الأورام، ويمكن أن نحقق تقدمًا ملموسًا في مواجهة هذا المرض الخبيث، وأنّ الاستثمار في صحة المرضى هو استثمار في مستقبل المجتمع بأسره؛ إذ إنّ صحة الأفراد تعكس صحة الأمة، لذا يجب أن نعمل جميعًا على تعزيز هذا الصندوق وضمان استدامته لتحقيق الأهداف المنشودة في مكافحة السرطان”.

تحديات

يواجه تطوير الخدمات الصحية لمرضى السرطان في اليمن تحديات رئيسية تتطلب حلولًا فعّالة لتحسين الرعاية الصحية، ومن هذه التحديات، يقول سميط: “يعاني النظام الصحي من نقص التمويل الكافي لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى، ويمكن التغلب على هذه المشكلة عبر زيادة الاستثمارات الحكومية في القطاع الصحي وتحسين إدارة الموارد المالية”.

وأكّد أنّ نقص الأدوية والخدمات الضرورية لعلاج السرطان أحد التحديات التي تواجه المرضى باستمرار في بعض المحافظات، موضحًا أنّ حلّ هذه المشكلة يكمن في تعزيز سلاسل التوريد وضمان توفر الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية بشكل مستمر.

وأشار إلى أنّ الكوادر الطبية في المراكز الصحية تواجه تحديات معقّدة، تشمل عدم توفر أجور مجزية ونقص التدريب والتأهيل، ممَّا يجعل تحسين ظروف العمل وتوفير فرص التطوير المهني للكوادر الطبية ضروريًّا لتعزيز جودة الخدمات الصحية.

واتّفق معه الدكتور جمال عبد الحميد، مشيرًا إلى أنّ نقص الموارد المالية والبشرية يعدُّ أحد التحديات الرئيسية التي تواجه مراكز الأورام، وأنّ العديد من المراكز تعاني من نقص الكوادر الطبية المدربة، ممَّا يؤثر سلبًا على جودة الرعاية المقدّمة للمرضى، كما أنّ عدم توفر الأجهزة والتقنيات الحديثة يعوق قدرة هذه المراكز على تقديم العلاجات الضرورية، ممَّا يتطلب تضافر الجهود لتلبية احتياجات هذه المراكز، ورفع مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى.

‫شاهد أيضًا‬

(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان

علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …