‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة السرطان في اليمن بين المرض والعوز.. للوضع الاقتصادي تأثيرات بالغة على مرضى السرطان

بين المرض والعوز.. للوضع الاقتصادي تأثيرات بالغة على مرضى السرطان

أحمد باجعيمصوت الأمل

تشهد بلادنا اليوم تحديات اقتصادية كبيرة، تؤثر بشكل مباشر على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، ومن بينها مرضى السرطان الذين يعانون من تكاليف العلاج الباهظة في ظل الأزمة الاقتصادية، ويزيد من حدّة الأزمة الصراع القائم، الذي أدّى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي؛ بسبب ارتفاع معدلات البطالة، وانهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار، بما في ذلك تكاليف الرعاية الصحية.

وقد أدّت هذه العوامل إلى صعوبة توفير الرعاية الصحية الشاملة لمرضى السرطان؛ إذ أصبح العلاج مكلّفًا ومعقدًا بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الأدوية والعلاجات الأساسية، إضافة إلى محدودية الوصول للمستشفيات والخدمات المتخصصة.

إنّ الوضع الراهن يزيد من معاناة مرضى السرطان في اليمن؛ إذ يحتاج هؤلاء المرضى إلى علاجات طويلة ومعقدة تتضمن الجراحة، والعلاج الكيماوي، والإشعاعي، التي تتطلب إمكانات طبية متقدمة لا تتوفر بسهولة في ظل الأزمة، كما أدّى تدهور الاقتصاد إلى نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية اللازمة، مما جعل كثيرًا من المرضى يعتمدون على المساعدات الإنسانية، أو يسعون للسفر إلى الخارج للعلاج، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على الأُسر التي تعاني بالفعل من آثار الأزمة، مثل فقدان مصادر الدخل، وازدياد الفقر بسبب الأزمة الحالية، التي تعدُّ من أسوأ الأزمات على مستوى العالم.

الفقر والبطالة

الدكتور محمد الكسادي، الخبير الاقتصادي ورئيس قسم العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت، يصف الوضع الاقتصادي في اليمن بأنه تجاوز مرحلة الكارثة، ووصل إلى الفقر المدقع؛ إذ يعيش كثير من المواطنين بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة، ويكافحون لتأمين لقمة العيش، وفي هذا السياق، تصبح معاناة مرضى السرطان والمصابين بالأمراض المزمنة أشد قسوة؛ إذ يواجهون صعوبة كبيرة في تأمين العلاج، الذي يُعدُّ غالي التكلفة، بسبب ارتفاع أسعار الأدوية والجرعات العلاجية الضرورية.

وأشار إلى أنّ هذه الفئة من المجتمع تعاني ظروفًا معيشية لا توصف؛ إذ يجدون أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف العلاج والجرع الكيماوية والمضادات، في ظل تفاقم أزمة البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، ونتيجة لذلك، يرى أنّ الوضع الاقتصادي لليمن في طريقه نحو منزلق أخطر بكثير، وأنّ تداعيات هذا التدهور ستتضاعف إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة لتوفير الدعم اللازم لهذه الفئات الضعيفة.

وفي السياق ذاته، أوضح مصطفى نصر، الخبير الاقتصادي، ورئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، أنّ الوضع الاقتصادي في اليمن بلغ مرحلة خطيرة؛ إذ تعاني البلاد من تدهور في سعر العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض مستوى دخل الفرد، مع اتساع دائرة البطالة التي فتكت بكثير من المواطنين، وقد أثّرت هذه الأوضاع سلبًا على كل فئات المجتمع، وخاصة على مرضى السرطان الذين يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات معيشية شبه منهارة، بالإضافة إلى التكاليف العالية للعلاج؛ إذ أصبح مرض السرطان منتشرًا بشكل كبير بين فئات المجتمع المحلي، خاصة في هذه المرحلة الراهنة، حسب تقارير طبية.

وأشار إلى أنّ مرض السرطان زاد من العبء على الأسر ذات الدخل المحدود، التي تضطر غالبًا إلى استنزاف مواردها بالكامل لتوفير تكاليف العلاج، وتشير الإحصائيات إلى أنّ اليمنيين ينفقون ما يقارب 47% من ميزانية الأسرة على العلاجات، وخاصة إذا كان أحد أفراد الأسرة مصابًا بمرض السرطان، وسبب هذا الوضع المأساوي يعود إلى غياب التأمين الصحي، وغياب منظومة الحماية الاجتماعية التي تساند المرضى؛ إذ لا تتوفر لهم تغطية صحية تساعد في تخفيف العبء المالي عن كاهلهم، خاصة بالنسبة للفئات محدودة الدخل أو الأسر التي تعاني من الفقر المدقع.

الاقتصاد والسرطان

يرى الدكتور محمد الكسادي أنّ تدهور الوضع الاقتصادي أثّر بشكل كبير وسلبي على حياة المواطن العادي في اليمن؛ إذ أصبح المواطن عاجزًا عن توفير احتياجاته الأساسية والالتزام بتوفيرها، ورافق ذلك تراجع في التكافل الاجتماعي، ممّا زاد من معاناة أُسر مرضى السرطان، التي تجد نفسها بين معضلة تأمين الغذاء اليومي من جهة، وتكاليف العلاجات والجرع الكيماوية المكلفة لمكافحة السرطان من جهة أخرى.

وأشار إلى أنّ الأزمة الاقتصادية لا تؤثر فقط على الوضع المعيشي، بل تؤدي أيضًا إلى تزايد معدلات الجريمة وتفكك الأسرة، مما يفاقم من التحديات الاجتماعية حتى للأُسر التي لا تعاني من أمراض مزمنة، أما بالنسبة للأُسر التي يعاني أحد أفرادها من مرض السرطان، فإنّ المأساة تكون أشدَّ قسوة؛ إذ تجد صعوبة كبيرة في تغطية تكاليف العلاج المتزايدة.

وأضاف الكسادي أنّ الأحداث الجارية في العديد من دول العالم العربي قد تؤدي إلى انخفاض الدعم الدولي من المنظمات والجهات المانحة التي كانت تقدّم مساعدات للقطاع الصحي في اليمن، خاصة لمرضى السرطان، وسيكون هذا الانخفاض المحتمل في الدعم بمثابة كارثة مضاعفة على كاهل المرضى، مما يجعل وضعهم الصحي أكثر تعقيدًا، ويضع تحدّيًا إضافيًّا أمام المجتمع الدولي والجهات الإنسانية لتلبية احتياجات هذه الفئات المتضررة.

من جانبه، أكّد مصطفى نصر أنّ سنوات النزاع المسلح في اليمن تسببت في تداعيات اقتصادية عميقة؛ إذ فقدت العملة المحلية نحو 800٪ من قيمتها، مما أثّر سلبًا على جميع فئات المجتمع، بما في ذلك المرضى الذين يواجهون أعباء مالية متزايدة لتأمين الرعاية الصحية، وأنّ تكاليف علاج السرطان أصبحت باهظة للغاية، ولولا وجود شبكات التكافل الاجتماعي وأصحاب الخير من القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية التي تسهم في التخفيف من معاناة المرضى، لكان الوضع كارثيًا؛ إذ قد يفقد معظم المصابين بالسرطان حياتهم بسبب أوضاعهم الاقتصادية الصعبة.

وبيّن أنّ مؤسسات الدولة لم تقُم بالدور المطلوب لإنشاء منظومات قادرة على التخفيف من معاناة مرضى السرطان، أو دراسة أسباب انتشار المرض ومعالجتها في السنوات الأخيرة، وأنّ تدهور الاقتصاد وانهيار العملة المحلية أدّيا إلى تفشي المجاعة والفقر وسوء التغذية، وهو ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة في اليمن، كما أنّ سوء التغذية يُعدُّ أحد عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بالسرطان، خاصةً لدى الأطفال والنساء، مما يضيف بُعدًا صحيًّا جديدًا للأزمة الاقتصادية.

الجرعة وأسعارها الباهظة

يواجه مرضى السرطان في اليمن تحديات مالية كبيرة لتغطية تكاليف العلاج الكيماوي، الذي يُعدُّ من العلاجات الأساسية لمكافحة المرض، وبحسب مختصين في العلاج الكيماوي في المركز الوطني لعلاج الأورام بمحافظة حضرموت، فإنّ أسعار الجرعات تختلف حسب نوعية السرطان واستجابة جسم المريض؛ إذ يمكن أن تصل تكلفة بعض الجرعات إلى 2500 دولار (ما يقارب خمسة ملايين ريال يمني) لكل جرعة، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم المرضى في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.

وأضاف المختصون أنّ هناك جرعات أقل تكلفة، تتراوح الأسعار بين 1000 دولار و500 دولار وأقل من ذلك، إلا أنها لا تزال بعيدة عن متناول غالبية المرضى، خاصة وأنّ متوسط دخل الموظف الحكومي لا يتجاوز 30 دولارًا شهريًا بسبب انهيار العملة المحلية.

ومع ذلك، يسعى المركز الوطني لعلاج الأورام في حضرموت، بدعم من وزارة الصحة والمنظمات الدولية وإسهامات من رجال الأعمال، إلى تقديم هذه الجرعات بشكل مجاني للمرضى، مما يخفف من العبء المالي على المرضى وأسرهم، وهذه الجهود تعدُّ دعمًا حيويًّا، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتساعد في توفير العلاج الضروري للعديد من المرضى الذين لا يملكون القدرة على تحمل التكاليف الباهظة للعلاج الكيماوي.

الوضع الاقتصادي في اليمن يمثل تحدّيًا حقيقيًّا لمرضى السرطان وأسرهم؛ إذ يضيف أعباء مالية هائلة إلى التحديات الصحية اليومية التي يواجهونها، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتزايد تكاليف العلاجات، يصبح من الضروري تدخل الجهات الدولية والمؤسساتية والداعمة لتقديم الدعم اللازم لهؤلاء المرضى، وهذه التدخلات لا تسهم فقط في تخفيف الأعباء المالية، بل تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المرضى وعائلاتهم، وتعدُّ لفتة إنسانية تجاه مجتمع أرهقته الصراعات، مما يعزز من التضامن والأمل وسط الظروف الصعبة.

إنّ الدعم المستمر من المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، ودعم الخيرين يُسهم بشكل كبير في توفير العلاجات الأساسية والخدمات الصحية لمرضى السرطان، ويؤكد أهمية العمل الجماعي في مواجهة هذه الأزمات الإنسانية.

‫شاهد أيضًا‬

(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان

علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …