الصراع مع السرطان في اليمن؛ تحديات متواصلة
حنان حسين – صوت الامل
أنين الأطفال وصراخهم، وطوابير كراسي الانتظار المليئة بالمرضى الذين ينتظرون مناداة أسمائهم للدخول إلى المختص، ونافذة المختبر التي يزورها العديد ممن يأخذون العينات ويعطون النتائج، ونافذة الصيدلية التي يقف خلفها صيدلي يقدم العلاج بالمجان وفق ورقة العلاج الموقعة والمختومة من قبل الدكتور المختص، وسط دعوات عميقة يتمتمها المرضى لحصولهم على هذا الدواء. وصف يعبر عن مشهد إنساني مؤثر يجسد الواقع الصعب الذي يعيشه مرضى السرطان في بعض المراكز الصحية أو المستشفيات في اليمن.
هذا المشهد يعكس بشكل مباشر تحديات مرضى السرطان والنظام الصحي بشكل عام في ظل الأزمات التي تمر بها البلاد، بما في ذلك نقص التمويل، وعدم كفاية الدعم من المنظمات الدولية والمحلية، يعكس أيضًا قوة الأمل والإيمان لدى المرضى وعائلاتهم؛ إذ تمثل الدعوات والانتظار لحظة رجاء بتخفيف الألم وتحقيق الشفاء.
على حافة الحياة
عن الصعوبات التي تختصر وضع مراكز السرطان، يقول أحد العاملين في مركز علاج الأورام السرطانية (فضل عدم ذكر اسمه): “يوجد لدينا شحة في الأدوية والعلاجات المطلوبة، بالمقابل يوجد كثير من الحالات التي تأتي طلبًا للحصول على هذه الأدوية، ونتيجة لهذه الشحة نواجه أعدادًا مضاعفة؛ لعدم الحصول على العلاج بشكل مبكر، وهذا تحدٍّ صعب للغاية”.
ويردف: ” كذلك يفتقر المركز إلى أجهزة تشخيصية للكشف عن الحالات بشكل دقيق، والموجودة سابقًا أصبحت تحتاج إلى صيانة، بالإضافة إلى قلة غرف الرقود والأَسِرّة، وعدم القدرة على استيعاب كثير من الحالات، ولا يخفى على الجميع أنّ هناك شحةً في عدد الأطباء والمختصين الصحيين لعلاج هذا المرض، سواء كان للكبار أو للأطفال، وكذلك المختصين بعلاج الإشعاعات”.
وفي السياق نفسه يقول محمد الحاج، مسؤول العلاقات العامة بالمؤسسة الوطنية للسرطان: “هناك قلة في الإمكانيات داخل المرافق المتخصصة بعلاج مرضى السرطان، ولم تُدرج قضية مرضى السرطان في برامج الأمم المتحدة وغيرها من الجهات الداعمة حتى اللحظة، وهذا يعدُّ من الصعوبات التي قد تواجه كل القائمين على تقديم خدمات علاجية لمرضى السرطان في اليمن”.
ويضيف: “من أبرز التحديات التي تمرُّ بها المرافق الطبية الحكومية والخاصة انعدام بعض الأدوية، وندرة التخصص في مجال الأورام، وتأثير عدم إيجاد حلول لهذه التحديات تأتي بصورة مباشرة، منها حالات الوفاة”.
ويؤكد محمد الحاج أنّ هناك تحديات تقف أمام مريض السرطان، منها صعوبة الوضع المادي للمرضى، وهذا لا يخفى على أحد، فإذا كان مريض السرطان الميسور يعاني من تدنى الخدمات فما بالكم بالفقراء الذي لا يوجد لديهم أي إمكانية للحصول على أدنى الخدمات، فمريض السرطان يحتاج إلى الخدمات المتواصلة والمكلّفة جدًّا، رغم وجود بعض المراكز التي تقدّم الخدمات مجانًا، مثل المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، ومركز الأورام، والصندوق لمكافحة السرطان، كُلًّا حسب الإمكانات المتاحة.
أسعار غالية
الدكتور سعيد نعمان (مختص في علاج الأورام) يوضح أنّ هناك صعوبات تقف أمام المراكز المخصصة لعلاج السرطان، منها صعوبة تحمل مدة علاج المرض، وخطواته العلاجية الطويلة، إضافة إلى عدم القدرة على تحمُّل تكاليف الأدوية والفحوصات والإشعاع، كذلك وجود عبء ماديّ، وقلة الدعم النفسي والمجتمعي والحكومي.
ويضيف: “عدم وجود العلاجات الهادفة والبيولوجية التي لها تأثير وفعالية تصل إلى نسبة 100%، وعدم وجود ميزانية تشغيلية كافية مقابل المجهود المبذول، وعدم قدرة المختصين على مواكبة التطور في مجالهم لانشغالهم في الحصول في لقمة العيش، خصوصًا أنّ مرتباتهم زهيدة مقارنة بالمجهود والعطاء الذي يقدمونه لمرضى السرطان”.
ويتابع: “هناك معوقات أيضًا تواجه مراكز السرطان، منها عدم وجود العلاج الكيماوي بشكل مستمر ومنتظم، وشحة أو انعدام وجود المواد التحليلية وفحوصات الدم بشكل مجاني للمرضى، وعدم توفر الفحوصات المتطورة والمتقدمة التي تساعد في اختيار نوع العلاج، وإذا وجدت في المختبرات الخاصة تكون بأسعار مكلّفة للغاية”.
وعن تجربة نصر محمد، البالغ من العمر 12 عام، والقادم من مدينة الحديدة للحصول على الرعاية الصحية، تقول أخته الكبرى التي ترافقه: “إنه لا يتوقف عن الأنين من الألم؛ بسبب ورم في رأسه منذ عامين، وأنّ والدهم مات قبل خمسة أعوام، وهم خمسة إخوة، ولا يوجد لديهم مصدر دخل لعلاج نصر”.
وتردف بالقول: “كنت أعمل في إحدى المدراس، وأدفع قدر المستطاع، لكننا حاليًا في مدّة إجازة، ولا يوجد عمل، لذلك نجد عجزًا في توفير قيمة العلاج له؛ إذ إنّ سعر الجرعة الواحدة قد يكلف 400 دولار، ونحن عاجزون عن توفير هذا المبلغ”.
المبيدات والسموم؛ أسباب ومسببات
“في أرض الواقع تشهد اليمن صراعات مسلحة منذ نحو سنوات، أودت بحياة 233 ألف شخص، وأصبح 80% من السكان البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على الدعم والمساعدات، في ظل أسوأ أزمة إنسانية بالعالم، وذلك وفقًا لتقارير الأمم المتحدة”. حسب تصريح محمد الحاج
موضحًا أنّ السبب الأكثر بروزًا في انتشار السرطان هي المبيدات المهربة، إضافة إلى مجموعة أخرى من المسببات، وذكر كيفية منع انتشارها قائلًا: “نقف هنا لحل المشكلة، وهي الرقابة على الصناعة بكل أشكالها، ومنع دخول المبيدات المحرمة دوليًا، التي تعدُّ سببًا رئيسيًّا للإصابة بالسرطان، فضلًا عن التغذية الجيدة وممارسة الرياضة، إضافة إلى الامتناع عن مضغ القات والتنبل والتدخين، حتى نخرج إلى بر الأمان”.
ويتابع: “حسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإنّ عدد الإصابات مخيفة؛ إذ تُكتشف ثلاثون ألف حالة جديدة سنويًا، وهذا رقم مرعب يحتاج من الجهات المعنية والمجتمع مزيدًا من الجهود والتضافر والوعي والرقابة على كل مسببات السرطان وتوعية المجتمع”.
ومن جانبه يقول حميد اليادعي، رئيس رابطة مرضى السرطان: “هناك كثير من التحديات التي تصيب المريض، منها عدم توفر الأدوية بشكل منتظم، وكذلك انعدام الخدمات الأخرى، مثل الإشعاع والعمليات والجرع الكيماوية، إضافة الى عدم توفير علاج اليود المشع، وعدم توفير جهاز المسح الذري، وعدم توفير البنية التحتية المناسبة للأورام، وازدياد عدد المرضى المخيف بأعداد كبيرة بسبب النزاعات، ممَّا يشكل عائقًا أمام الخدمات”.
العين والسحر سبب
ارتبطت الأمراض المستعصية بالعين والسحر عند بعض الأشخاص، فكثير من أبناء المجتمع اليمني يؤمن أنّ للعين والحسد تأثيرًا على حياتهم وصحتهم، وقد أجرينا لقاء مع الشيخ محمد علي، أحد القراء الشرعيين، يتحدث عن مدى تأثير العين والسحر والحسد بالأمراض السرطانية والأمراض المستعصية.
قال الشيخ محمد: “لا نستطيع أن ننكر أنّ للعين علينا حقًّا، وأنها تصيب الإنسان في مجمل تفاصيل حياته، سواء في نفسه أو في بدنه وماله وغيرها، ولو كان شيءٌ سابَقَ القدرَ لسبقته العين، وقد واجهنا العديد من حالات مصابة بأمراض عجز عنها الطب وأدويته، وعندما استمرينا بقراءة القرآن والالتزام بالرقية تحسنت، وهذا ما شاهدناه بأُم أعيننا، ولا يستطيع أحد إنكار الأمر”.
ويتابع: “السحر والعين قد يكون لهم تأثير على المريض، لكن يجب أن يكون الشيخ المقرئ قادرًا على تمييز سبب المرض؛ هل هو عضويّ أم نفسيّ، وأن يعمل المريض على الذهاب للمستشفيات والكشف بشكل عضوي حتى لا تتفاقم المشاكل”.
ومن جانب علمي ونفسي، يقول المختص النفسي محمد عمر: “هناك بعض الدراسات أثبتت أنّ هناك ظواهر خارقة للعادة، وأنّ العقل له قدرات غريبة وعجيبة قوية، قد تجذب لك الأمراض لمجرد الاعتقاد أنك ستمرض بسبب عين أو حسد أحد، وعن رأيي كسيكولوجي أرى أن ديننا أوضح الأمر بشكل كامل؛ إذ ورد أنّ الإنسان موكل بما يتوقعه، بخلاف ما يتم تداوله عن علم الطاقة والجذب وغيرها، فالمختصون النفسيون ذوو الوعي الكامل تحدثوا عن الإيمان بالشيء وجذبه، وعن قدرات العقل واللاوعي في تحقيق ما يتوقعه الفرد”.
ويؤكد أهمية أنّ يحافظ كل شخص على صحته، وفور إحساسه بالتعب والضعف يتجه لفحص نفسه في العيادة، بدلًا من التوهم وانتظار زوال الألم لمجرد ذهابه لمشعوذين أو معالجين شعبيين، فهناك شيوخ وروحانيون ربما يوهمون الناس بالكثير من الأساطير الكاذبة لأهداف مادية.
علاج ومقترح
المقترحات والمعالجات من وجهة نظر المختص في علاج الأورام سعيد نعمان هي إيجاد ميزانية تشغيلية، ودفع رواتب للكوادر بما يعينهم على القدرة لعلاج المرض ومواكبة التطور في مجالهم، وإصلاح الأجهزة والفحوصات وطرق العلاج.
ويضيف: “يجب دعم مرضى السرطان والتخفيف من معاناتهم المرضية والجسدية والنفسية والمادية والمعيشية، والتكفل بجميع فئات المجتمع الحكومية والخاصة – من قِبل الجمعيات الخيرية ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، في دعم مراكز الأورام ومرض السرطان، كذلك تسهيل وصول العلاج الكيماوي والإشعاعي والأدوية والمستلزمات الطبية بشكل سلس ورفع الضرائب عنها”.
هذا ويرى متخصصون ودكاترة ضرورة تكاتف الجهود من قبل المنظمات والجهات المختصة لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، كذلك دعم المرافق الصحية، عن طريق توفير التمويل اللازم لتشغيلها وصيانتها، إضافة إلى توفير برامج الدعم النفسي للمرضى وأسرهم، كما أكّد كثيرون أهمية نشر الوعي بضرورة الكشف المبكر عن السرطان والخضوع للعلاج في وقت مبكر.
وهنا السؤال يفرض ذاته، هل من الممكن وقف الصراع، وتحقيق الاستقرار، وتوفير بيئة آمنة؛ كي ينعم المجتمع بالسلام، ويجد المريض وقتًا وحيّزًا لمتابعة علاجه بأمن وأمان؟
(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان
علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …