لمحة عامة عن مفهوم السرطان وأثره في اليمن
أفراح بورجي – صوت الأمل
يُعدُّ مرض السرطان من الأمراض الخطيرة التي تواجه اليمن؛ إذ يشكل تحدّيًا كبيرًا للقطاع الصحي المتأثر بشكل كبير بنقص الإمكانيات والمرافق الطبية المتخصصة، وعلى الرغم من التقدم الكبير في علاج السرطان في العديد من الدول، فإنّ اليمن يعاني من ضعف كبير في تقديم الرعاية الطبية اللازمة لمرضى السرطان، وذلك بسبب تأثيرات الصراع الذي تسبب في تدهور شامل للوضع الصحي.
ويشهدُ اليمن ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان، مثل سرطان الثدي، وسرطان الكبد، وسرطان الدم، وتعود هذه الزيادة لأسباب متعددة، منها الظروف المعيشية المتدهورة، وانتشار التلوث البيئي، وسوء التغذية، وقلة الموارد الطبية، كما أنّ نقص الوعي بأهمية الكشف المبكر يلعب دورًا كبيرًا في تأخير تشخيص المرض، ممّا يقلّل من فرص العلاج الفعّال.
مفهوم السرطان
السرطان هو مصطلح شامل لمجموعة واسعة من الأمراض التي يمكن أن تصيب أيّ جزء من الجسم، ويُعرف السرطان أيضًا بمصطلحات أخرى، مثل الأورام الخبيثة، والتنشؤات، ويتميز السرطان بقدرة خلاياه على التكاثر السريع، ما يؤدِّي إلى نموها بشكل شاذ خارج نطاق الحدود الطبيعية للأنسجة التي تنشأ منها، ويمكن لهذه الخلايا غير الطبيعية أن تغزو الأنسجة المجاورة، وأن تنتشر في أعضاء أخرى من الجسم، وهي عملية تُعرف باسم النقيلة.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO) في تقريرها لعام 2022م، تُعدُّ النقائل المنتشرة على نطاق واسع السبب الرئيسي للوفيات الناجمة عن السرطان، ويعود ذلك إلى أنّ انتشار الخلايا السرطانية إلى أعضاء الجسم المختلفة يُعقّد العلاج، ويزيد من خطورة المرض.
ووفقًا للتقارير الدولية أنّ جسم الإنسان يتكون من ملايين الخلايا، مثل خلايا القلب والجلد والكبد والعضلات، التي تؤدِّي أدوارًا حيوية للحفاظ على صحة الجسم عن طريق انقسامها ونموها عند الحاجة، وأنّ السرطان ينمو بطريقة غير طبيعية للخلايا، يحدث بسبب خلل في آلية التحكم بانقسام الخلايا وتكاثرها، وهذا الخلل يتسبب في عدم موت الخلايا القديمة واستمرارها بالنمو، ممّا يؤدِّي إلى تكوين خلايا غير طبيعية، ومع تراكم هذه الخلايا، تتشكل كتل من الأنسجة تُعرف بالأورام (Tumors) التي تكون من الأعراض المميزة للسرطان.
وعند نشوء السرطان، يفقد الجسم القدرة على التحكم في نمو خلايا الورم، فتستمر هذه الخلايا بالنمو دون توقف، وفي مراحل متقدّمة، قد تنتقل هذه الخلايا إلى أجزاء أخرى من الجسم عبر الجهاز اللمفاوي أو الدم، لتنتشر وتؤثر على الأنسجة والأعضاء المحيطة بها، مما يؤدِّي إلى تلفها، ويشكّل خطرًا على صحة الإنسان.
آلية تطور السرطان
وأوضحت التقارير العلمية بأنّ معظم خلايا الجسم تمتلك مدة حياة محددة بناء على نوعها، تنتهي ضمن عملية حيوية في الجسم تعرف بالاستماتة (بالإنجليزية: Apoptosis)، وهي عملية حيوية يتخلص فيها الجسم من الخلايا غير الضرورية، ممّا يسمح للجسم باستبدال الخلايا القديمة بخلايا جديدة تؤدِّي وظائفها بشكل أفضل.
أما بالنسبة للخلايا السرطانية، فهي تتجنب عملية الاستماتة بطرق متعددة؛ إذ يمكن أن تحدث طفرات جينية تؤدِّي إلى تعطيل أو فقدان الآليات المسؤولة عن تنظيم نمو الخلايا وموتها، نتيجة حدوث تغيرات أو تشوهات في الجينات أو الحمض النووي.
ويؤدِّي ذلك إلى تراكم هذه الخلايا السرطانية واستعمالها للأكسجين والمغذيات الخاصة بالخلايا الأخرى، الأمر الذي قد ينتج عنه نمو الأورام، وحدوث مشاكل في الجهاز المناعي، وتطور العديد من المشاكل الصحية التي تمنع الجسم من القيام بوظائفه بشكل طبيعي.
أنواع السرطان
إنّ مرض السرطان ليس بالضرورة مرتبطًا دائمًا بتكوين أورام، كما هو الحال مع سرطان الدم (مثل اللوكيميا)؛ إذ ينمو السرطان في خلايا الدم أو النخاع العظمي دون أن يشكّل ورمًا صلبًا، وفي هذا النوع من السرطان، تنتشر الخلايا السرطانية في الدم أو الأنسجة الأخرى، ممَّا يؤدِّي إلى مشكلات في وظائف الأعضاء المختلفة دون أن تتكون كتل ملموسة.
أما بالنسبة للأورام، فمن المهم التمييز بين الأنواع المختلفة، فالأورام الحميدة (Benign Tumors): هي أورام غير سرطانية؛ إذ تنمو ببطء ولا تنتشر إلى الأنسجة المجاورة أو إلى أجزاء أخرى من الجسم، ويمكن إزالة الأورام الحميدة عادة بسهولة، وإذا أُزيلت، فلا تعود للظهور في معظم الحالات، ورغم أنّ الأورام الحميدة قد تسبب بعض المضاعفات في بعض الحالات (مثل الضغط على الأعضاء أو الأنسجة المحيطة)، فإنّها لا تشكل تهديدًا مباشرًا للحياة.
فيما يتعلق بالأورام الخبيثة (Malignant Tumors): فهي أورام تنمو بشكل غير طبيعي، وقادرة على غزو الأنسجة المحيطة، والأخطر من ذلك هو قدرة الأورام الخبيثة على الانتشار (Metastasis)؛ إذ يمكن أن تنفصل بعض الخلايا السرطانية عن الورم الأصلي، وتنتقل عبر الدورة الدموية أو الجهاز الليمفاوي إلى أجزاء أخرى من الجسم، ممَّا يؤدِّي إلى تكوين أورام جديدة في مناطق بعيدة عن الورم الأولي، وهذا الانتشار يعدُّ من علامات السرطان المتقدم، ويجعل العلاج أكثر تعقيدًا.
بالإضافة إلى ذلك، انتشار السرطان يمكن أن يؤثر على الأعضاء الحيوية، مثل الرئتين، والكبد، والعظام، أو الدماغ، ممَّا يزيد من تعقيد العلاج وحاجة المريض لرعاية طبية مكثفة ومستمرة.
أعراض السرطان
تتضمن الأعراض التي ذكرها الدكتور محمد مريش، مدير وحدة علاج الأورام واستشاري الأمراض، بعضًا من العلامات الشائعة التي قد تشير إلى وجود السرطان، ومن المهم معرفة أنّ هذه الأعراض قد تكون مرتبطة بحالات صحيّة أخرى أيضًا، ولا يعني وجودها بالضرورة الإصابة بالسرطان، ولكنها تشير إلى ضرورة فحص الطبيب لتقييم الحالة بشكل دقيق.
وقد أوضح الدكتور محمد أعراض السرطان، وتشمل: التغيرات في الوزن، والشعور بالتعب الشديد، الذي قد يكون ناتجًا عن تأثير السرطان على الجسم، والآلام المستمرة في العظام والمفاصل، يمكن أن تحدث نتيجة انتشاره في أماكن معينة، بالإضافة إلى بروز تغيرات في الجلد سواء في اللون أو الملمس، مثل الشحوب أو اصفرار الجلد، والنزيف غير الطبيعي سواء أكان نزيفًا داخليًا أم خارجيًا، وصعوبة في البلع، والسعال المزمن الذي قد يشير إلى مشاكل في الرئتين.
أما بالنسبة للمعلومة التي ذكرها الدكتور مريش عن قدرة خلايا السرطان على التهرب من جهاز المناعة، فهي تشير إلى قدرة بعض أنواع السرطان على تطوير آليات تمكنها من تجنب الاستجابة المناعية، وقد تتخفى هذه الخلايا أو تفرز مواد تعوق عمل جهاز المناعة، ممَّا يسمح لها بالنمو والانتشار دون التعرف عليها بسهولة من قبل الجسم.
السرطان في اليمن تحديات متفاقمة
يصف الدكتور رامي الحكيمي، طبيب عام بوحدة علاج الأورام في مركز الأورام بمحافظة الحديدة، واقع السرطان في اليمن بالسيّئ للغاية نتيجة عدة عوامل رئيسية، منها الجهل والفقر؛ إذ يفتقر معظم السكان إلى الوعي الصحي الكافي عن أهمية الكشف المبكر للسرطان، إضافةً إلى ضعف الإمكانيات المادية التي تعوق الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، والصراع المستمر الذي زاد من تدهور الوضع الصحي، بالإضافة إلى إدخال مواد كيماوية غير مراقبة للاستخدام في الزراعة، كل هذه أدّت إلى ارتفاع نسب الإصابة بالسرطان، بالإضافة إلى صعوبة الطرق التي تعوق الوصول إلى المراكز الصحية بالوقت المناسب إلا بعد أن تكون حالتهم قد تدهورت بشكل كبير، ما يجعل فرص تقديم العلاج الفعّال محدودة.
يواجه اليمن تحديات كبيرة في مكافحة السرطان، في ظل تدهور الأوضاع الصحية والاقتصادية، ممَّا يستدعي جهودًا أكبر للتوعية والرعاية الصحية، وتحسين البنية التحتية الطبية لمواجهة هذا المرض الخطير.
السرطان قبل الصراع وبعده
تؤكد العديد من التقارير الصحفية أنّ الوضع الصحي لمرضى السرطان في اليمن يعكس مأساة إنسانية كبيرة؛ إذ يواجه المرضى تحدّيات صحية واجتماعية شديدة في ظل الأزمة المستمرة، فقد كان الوضع قبل اندلاع الصراع يعاني من صعوبات كبيرة تتعلق بنقص الأدوية والمعدات الطبية، وصعوبة التشخيص والعلاج، بالإضافة إلى ضعف كفاءة النظام الصحي بشكل عام، وافتقار القطاع الصحي للكادر الطبي المدرب.
ومع اندلاع الصراع، تفاقمت هذه التحديات بشكل كبير، ممَّا أثّر بشكل مباشر على حياة المرضى؛ إذ تضررت العديد من المرافق الصحية، ودمرت البنية التحتية، ما جعل الوصول إلى الرعاية الطبية لعلاج السرطان أكثر تعقيدًا، وأدّى إلى نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتدهور صحة المرضى بسبب انقطاع العلاج وارتفاع تكاليفه، ممَّا جعله بعيدًا عن متناول كثير من الأسر.
الدكتور محمد مريش، مدير وحدة علاج الأورام واستشاري الأمراض، يروي بشعور من الحزن والأسى قصة مرضى السرطان في الحديدة؛ إذ يقول: “إنهم يواجهون تحديات تكاد تكون لا تطاق، بدءًا من صعوبة الوصول إلى المستشفيات القليلة التي لم تتعرض للدمار، مرورًا بمعاناة الحصول على الأدوية الضرورية، ووصولًا إلى القلق المستمر بشأن تكاليف العلاج والنقل”.
يحكي الدكتور محمد عن أطفال ورجال ونساء يسافرون ساعات طويلة للوصول إلى المستشفيات، فقط ليكتشفوا أن العلاج قد نفد، أو أن تكلفته باتت أعلى ممَّا يقدرون عليه. يقول: “الألم ليس جسديًّا فقط، بل نفسيًّا واجتماعيًّا؛ المرضى يشعرون بأنهم عبء على عائلاتهم، خاصة في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي”.
وفي ختام حديثه، يناشد مريش المنظمات الدولية والمجتمع الدولي أن ينظروا بعين الرحمة لليمن؛ إذ بات المرضى يحاربون السرطان والصراع في آن واحد، مطالبًا بتوفير الأدوية والمعدات، وتسهيل الوصول إلى الرعاية الصحية لإنقاذ آلاف الأرواح العالقة بين الألم والأمل.
إحصائيات (مؤسسة السرطان في الحديدة أنموذجًا)
تقدّم المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان (فرع الحديدة) تقريرًا مفصلًا فيه عدد المستفيدين من وحدة العلاج للأورام لعام 2023م، الذي يعكس حجم التحديات الصحية التي يواجهها مرضى السرطان في هذه المنطقة، في ظل الأوضاع الصعبة التي يعاني منها القطاع الصحي بسبب النزاع المستمر.
وقد أشار التقرير أنّ إجمالي عدد الحالات المستفيدة بلغ 13,571 حالة، بلغ عدد الذكور 4,947، فيما بلغ عدد الإناث 8,624 حالة، التي تشمل عدد الحالات الجديدة التي تم استقبالها في الوحدة، والحالات المترددة على العيادات الاستشارية، بالإضافة إلى الحالات التي استقبلت في وحدة تحضير العلاج الكيماوي.
كما أوضح التقرير حجم المشكلة الصحية المرتبطة بالسرطان في المناطق التي تغطيها المؤسسة، بما في ذلك محافظة الحديدة والمناطق المجاورة؛ إذ بلغ عدد المستفيدين من الخدمات المقدمة في وحدة علاج الأورام في العام 2023م من فحوصات أجريت للمرضى في قسم المختبر، ووصفات طبية صرفت مجانًا من صيدليات الوحدة، 53,342 مستفيدًا، بقيمة إجمالية بلغت 235,025,039 ريال.
وقد أظهرت هذه الأرقام حجم معاناة الأُسر في هذه المناطق التي تكافح من أجل توفير الرعاية اللازمة للأطفال والبالغين المصابين بالسرطان، بالإضافة إلى أنّ هذه الأعداد تمثل جزءًا من التحديات الكبيرة التي يواجهها مرضى السرطان، في ظل قلة الإمكانيات وضعف البنية التحتية.
وقد أفاد التقرير أنّ المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان في الحديدة قدّمت خدمات لمستفيدين من الحديدة وخارجها (ريمة_ حجة _ ذمار_ صنعاء_ المحويت) بلغت عددهم 520 حالة.
وأنّ هذه البيانات تؤكد الحاجة الماسة إلى دعم عاجل من المنظمات الإنسانية والدولية لتوفير الأدوية والعلاج اللازم لهذه الحالات، كما تبرز ضرورة تحسين الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة في مناطق النزاع.
(عفاف غالب)؛ قصة ملهمة لرحلة كفاح ضد مرض السرطان
علياء محمد – صوت الأمل يعد مرض السرطان من أكثر الأمراض الصحية تأثيرًا وانتشارًا حول …