‫الرئيسية‬ الأعداد السابقة المرأة في اليمن العنف المنزلي وآثاره الأُسرية والنفسية: إحصائيات وقصص وسط تساؤلات، فمتى يتوقف العنف ضد المرأة؟

العنف المنزلي وآثاره الأُسرية والنفسية: إحصائيات وقصص وسط تساؤلات، فمتى يتوقف العنف ضد المرأة؟

صوت الأمل – رجـاء مـكـرد

أضحت حالات العنف ضد المرأة في تزايُد مستمر، لا سيما بسبب الصراع الذي تشهده البلاد منذ أعوام، فصمت المرأة وخوفها، ومرونة مواد القانون التي تعاقب العنف ضد المرأة، بالإضافة إلى الضغوط النفسية والاقتصادية التي تواجهها الأسر، كل ذلك  ضاعف من حدة العنف تجاه المرأة، وبحسب آخر إحصائية حصلت عليها صحيفة “صوت الأمل” من اتحاد نساء اليمن حول عدد النساء اللاتي تعرضن للعنف المنزلي، وتم تقديم الدعم لهُن، فقد بلغن 80  حالة في شهر (أكتوبر)، بينما بلغت إحصائية النساء اللاتي تعرضن للعنف المنزلي في  عام 2019م، 500 حالة.

وأغلب هذه الحالات كانت لنساء متزوجات تعرضن للضرب المبرح، وتراوحت أعمارهن بين 18 – 38 سنة، وكان العنف غالبا من الزوج , وهي احصائيات لاتعبر عن الواقع الذي يشهد حالات اكثر من ذلك بيبب خوف الاسر اليمنية من (الفضيحة) والتشهير ومن ردود الفعل من ذكور العائلة تجاه المراة التي تبلغ عن هذه الاعتداءات!

المراة الحلقة الاضعف

حاولت صحيفة “صوت الأمل” أن تقترب من بعض القصص التي تروي معاناة المعنفات منزليًّا سواء لتترصد أوجه المشكلة، وأسبابها للخروج بالحلول التي من الممكن أن تحد أو تقضي على ظاهرة العنف ضد المرأة 

سمر 42 عاماً، أم لثلاث بنات وولد، أكبر بناتها معاقة حركياً وذهنياً، عاشت سمر طوال حياتها في قرية بمنطقة العروق– تعز، ثم انتقلت مع زوجها إلى قرية بمحافظة عمران، بعد أن حصل على وظيفة “مدرس”، وبعد ولادة طفلتها الأولى- المعاقة ذهنياً وحركياً- اضطروا إلى إدخالها لمستشفى الأمراض العقلية والنفسية.

تواصل سمر الحديث، فقد مرَّ زوجها بضغوطات اقتصادية أثرت على نفسيته، وفي أحد الأيام عاد إلى المنزل وهو يهلوس، وحينها أدركت سمر أن حالته النفسية ازدادت سوءاً، وأثناء نوبات الغضب التي كان يصاب بها، كان يضربها، وفي آخر مرة حمل سكيناً وحاول قتلها، وفي ذلك اليوم  لم يكن معها أحد، عدا طفلها الذي كان خائفا عليها، وحاول الدفاع عنها عن طريق رمي الحجار على والده، فتدخل الأهالي وحموها، وأرسلوها إلى بيت أهلها في منطقة الأعروق، لكنها وجدت أن إخوتها يستخدمون بناتها اللاتي لازلن في سن الطفولة 13-14 عاماً في العمل بالأراضي الزراعية،  والمِهن الشاقة، مقابل مكوثها في المنزل، صبرت سمر ولكنها لم تتحمل عبء رؤية بناتها يُعانين، فقررت حينها أن تعمل في رعي الأغنام، وتربية الحيوانات.

سمر ليست الوحيدة التي من عانت العنف المنزلي، فهناك الكثير من القضايا والقصص التي شهدتها أروقة المحاكم والنيابات في اليمن عن حالات العنف المنزلي، ومنها ما انتهى بنهاية مأساوية كقصة عبير التي فقدت حياتها، بسبب رغبتها في العودة إلى زوجها، ولكن أباها وأخاها منعاها من العودة له، وتسببا في مقتلها- بحسب كلام الناشطة الحقوقية هيفاء مالك- والتي تؤكد أنها رأت جثتها بعينيها، وتقول: قتلت بيد أخيها وأبيها، وبالتعاون مع نساء البيت، ربطوا ابنتهم وضربوها، بينما الأخ يقول إن عبير شربت السم، فيما الزوج يقف عاجزًا، لأن أباها  يقول له  أنت طلقتها ولا سلطة لك عليها.

وكذلك قضية سميرة مقولة، التي رُبطت بالسلاسل لأربع سنوات في غرفة، ووضعت طفلتها وهي مقيدة بالسلاسل، لتظهر قصتها للإعلام بعد مقتل طفلتها على يد ابن عمها وفقًا للناشطة الحقوقية – هيفاء مالك-.

العنف يولد العدوانية لدى النساء

يتسبب العنف المنزلي الواقع على المرأة، بالعديد من الأضرار النفسية، ووفقاً لزينب الأسدي الاختصاصية النفسية في اتحاد نساء اليمن، فإن ردة فعل النساء تجاه العنف، تكون أما بتعايشهن معهُ، كونهن مضطرات  للبقاء مع أطفالهن، أو لأن البعض الآخر منهن رضخن للعادات والأعراف التي تتحكم بالمرأة بفعل سلطة المركز، هذا النوع من النساء يُصبحن أكثر عدائية مع الوقت، أما النوع الثاني من النساء، فهن اللواتي  يرفضن فكرة الخضوع للعنف، ويحاولن التغلب عليه، وهؤلاء النسوة يتوجهن إلى “اتحاد نساء اليمن” وأكثرهن تعرضن لسوء المعاملة (عنف لفظي)، حيث تصل الحالة المعنَّفة  إلى الاختصاصية النفسية، التي تقوم بدراسة الحالة، ومعرفة إن كانت بحاجة لاستشارة قانونية.

وتضيف: “ندرس أسباب العُنف الواقع على الحالة، ونضع الحلول، ونقوم بتدريب النساء على إتقان مهارات مهنية، بالإضافة إلى إدخالهن لدورات في تقوية الشخصية، وتعليمهن كيفية الرد والدفاع عن النفس”.

وتقول الأسدي: “تتعدد صور العنف الذي يقع على المرأة، كالعنف الجسدي، وعُنف الحرمان من التعليم والموارد (أخذ مصادر دخل المرأة أو حرمانها من العمل)، وعنف الحرمان من الفُرص والخدمات والتدريب، وهذه الحالات يتم رفعها للدائرة القانونية، وهُناك يتم تقديم الدعم القانوني ودراسة قضية العُنف وتوفير مُحامٍ للقضية”.

    “العنف يولد العنف

    “العنف يولد العنف”، هكذا بدأت الاختصاصية الاجتماعية الدكتورة نوال التويتي حديثها لـ “صوت الأمل”، وقالت: “ها نحن نشهد تصاعد حوادث العنف داخل الأسرة، فقد ظهرت مؤخرًا حوادث عنيفة لزوجات ضد أزواجهن، كردة فعل على عنف الأزواج، واصفة الوضع بالمتفاقم”.

وأضافت أن سكوت الجهات المؤثرة، وعدم تسليطها للضوء على الأسباب المؤدية إلى وجود هذ الظاهرة ومعالجتها، ضمن أُطرها الثقافية والاجتماعية والنفسية والقانونيَّة سيتسبب في تفاقمها.

وتقول: “سواء أكانت المرأة أمّاً أو زوجةً أو ابنةً أو أي صفة لها في المجتمع، فإن التعنيف المستمر لها سينعكس سلباً عليها وعلى الآخرين من حولها، وهذه الآثار السلبية قد تتطور لتصبح خطيرة، أقلها ضرراً هي حالات الاكتئاب التي قد تنتهي بالانتحار أو قتل الآخر”.

لماذا يستمر العُنف المنزلي؟

ترى الناشطة الاجتماعية هيفاء عبد الواحد، أن السبب في استمرار العُنف ضد المرأة، هو انتشار الأمية، واعتماد المرأة الكلي على الذكور، بينما ترى زينب الأسدي أن سبب العُنف هو العادات والتقاليد، ونظرتها للمرأة من منطلق أنها خُلقت من ظلع أعوج؛ ولذا فهي عوجاء، وهذه المؤثرات الثقافية المتوارثة تدفع الرجل ليضن مخطئاً أنه يجب أن يفرض قوته أمام المرأة، ويخضعها، ويتسنى له فعل ذلك بالتقليل من قدراتها وإمكانياتها.

وتضيف: “المرأة تُعد مشاركة في الجُرم، كونها ترتضي على نفسها هذه المكانة، وهذا يحصل في الأغلب بسبب تنشئة الفتاة على قبول فكرة أنها أقل شأناً من الرجل”. 

أما هيفاء مالك فتقول: “هناك أسباب قانونيَّة تمنح الرجل حصانة غير واضحة، تدفعه إلى استسهال ارتكاب العنف ضد المرأة”.

الصمت القاتل للنساء

ترى هيفاء عبد الواحد أن صمت النساء على العنف الممارس في حقهن، سواءً بدافع الخوف أو بسبب ضغط الأسرة، بالإضافة إلى عدم وجود قوانين رادعة تجرم العنف ضد المرأة، كل ذلك يؤدي إلى تصاعد وتيرة العنف ضد المرأة. 

بينما تُصنف هيفاء مالك: حالة الصمت على العنف الواقع على المرأة، إلى قناعتها بأنها عورة وناقصة أهليَّة، كما أن القوانين نفسها غير رادعة، بل على العكس إذا لجأت المرأة للقضاء، ستجد أن قوانينه ضدها.

متى يتوقف الرجال عن تعنيف المرأة؟

في استطلاع أجرتهُ “صوت الأمل” على نخبة من الرجال، أرجع الكثير منهم سبب العنف ضد المرأة إلى الضغوط النفسية- خصوصاً- مع الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد، وانقطاع مصادر الدخل، والبعض كانت ردودهم لا تعطي للأمر أهمية، حيث يصنفون تناول قضايا المرأة- لا سيما العنف- بأنها: “مبالغ فيها”، ومنهم من كانت ردودهم تتمحور حول فكرة أن المرأة مكانها المنزل. 

وترى هيفاء عبد الواحد، أن التوعية الإعلامية التي تتحدث عن العنف وأضراره على الأسرة، بالإضافة إلى خلق فرص عمل للرجال، ستخفف من ظاهرة العنف ضد المرأة، لا سيما بين الأسر الفقيرة التي تشهد تصاعد لحالات العنف الأسري بسبب أن بعضها يحصل نتيجة للظروف الاقتصادية والنفسية التي يمر بها الرجل، لأن ظاهرة العنف تظهر كثيراً في الأسر الفقيرة التي يكون فيها رب المنزل عاطلاً.

أما هيفاء مالك، فتقول: “سيتوقف الرجال عن تعنيف المرأة، عندما تتغير القوانين، لن تعطى للمرأة حقوقها عبر الندوات والمطالبات فقط، ولكن عبر تغيير حقيقي في مواد الدستور، والقانون اليمني، وعبر التشريعات التي تجبر الرجل على احترام المرأة وحقوقها، منذ عشرات السنوات وإلى اليوم ونحن مازلنا ننادي بحقوق المرأة، وكل يوم نسمع عن جرائم قتل وتعنيف تطال المرأة في كل مكان”.

تضيف مالك، المرأة تحبس بالبيت بحجة أنها عورة، واليوم، ومع ازدياد نسبة الفقر في البلاد بسبب تصاعد وتيرة الصراع، غدت المرأة هي من تعيل الأسرة بمن فيهم الرجال، إما عن طريق عملها، أو تسولها في الشوارع، عندما تغلق في وجهها كل الأبواب، فعندما احتاجها الرجل لتصرف عليه وعلى أولاده لم تعد عورة -حسب وصفها.

من يتحمل المسؤولية؟

ترى هيفاء عبد الواحد أن الجميع يتفقون على أن مسؤولية استمرار العُنف المنزلي، تقع في المقام الأول على الدولة أو الحكومة؛ والتي يجب أن تحدَّ من هذه الظاهرة، عن طريق سنِّها للقوانين والعقوبات الرادعة، هذا من جهة، من جهة أخرى يجب على المجتمع أن يحجم عن دعم المفاهيم الذكوريَّة التي تسهم في تغذية العنف ضد المرأة.

الحل : تمكين المراة اقتصاديا وعلميا

الاستشارية القانونية في اتحاد نساء اليمن أروى الشميري، ترى أن الحلول تكمن في توعية المجتمع، عن كون المرأة جزءاً رئيسياً من النسيج الاجتماعي، بالإضافة إلى أهمية تمكين المرأة من فرص العمل، والتأهيل والتدريب، وعدم حرمانها من الموارد الاقتصادية، وتؤكد أنه “كلما كانت المرأة أكثر قدرة وإمكانية كان لديها خيارات أكثر”.

وقد قدَّم أتحاد نساء اليمن دعماً متعدد الصور لعدد من المعنفات، لا سيما في الجانب النفسي، حيث تلقت4000 حالة معنفة دعماً نفسيًّا، تمثل في الاستشارات والجلسات النفسية لعدد 4046 حالة تعاني من مشاكل نفسية مختلفة. 2747 امرأة من محافظة الضالع و249 حالة من محافظة تعز، تلقين خدمات دعم نفسي، فيما تم رصد 1000 حالة من قبل شبكات الحماية.

فيما تلقى 7000 فرد من النازحين والأسر الأشد ضعفاً حملات توعية، للتكيف والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى مواضيع أخرى ذات صلة، وذلك عبر عقد 430 جلسة توعوية.

أما الاختصاصية النفسية الدكتورة نوال التويتي، فتقول: “إن الخيار يبقى للمجتمع بكل قياداته الواعية، وفي مقدمتهم رجال الدين، فالدين الاسلامي فيه ما لا يعد ولا يحصى من التوجيهات الصريحة بضرورة التزام أعلى درجات الرفق في التعامل مع الأنثى، لأن ذلك هو ما يعكس قِوامَة الرجل وتدينه الحقيقي، “فلا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلَّا لئيم”، كما يقول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم.

أما الأستاذة فوزية المُريسي- مديرة اتحاد نساء اليمن في صنعاء، فإنها ترى أن الحلول تكمن في  صرف رواتب الموظفين، أو توفير عمل للرجال؛ لأن الفقر والحاجة هي أهم الأسباب لتزايد العُنف، وعن خطة الاتحاد المستقبلية، تقول: “خطط الاتحاد تتركز في  تمكين النساء وتدريبهن وتأهيلهن على احتراف المهن كالخياطة، والتطريز، وصناعة البخور، والتدبير المنزلي وغيرها”.

‫شاهد أيضًا‬

ظاهرة التسرّب من المدارس تدق ناقوس الخطر! اليونيسف: نحو مليوني طفل يمني أصبحوا خارج المنظومة التعليمية

صوت الأمل – علياء محمد عام دراسي جديد بدأ في اليمن، في ظل أوضاع معيشية متردية يعاني منها ا…