يمن بلا قات

صوت الأمل – د. أحلام القباطي

 في أواخر القرن المنصرم، وتحديداً في فترة التسعينيات، برز حلمٌ جميلٌ راود مجموعة كبيرة من الشخصيات الثقافية والوطنية لاسيما الشخصيات العامة، ألا وهو:

لحن أمل عزف أوتاره مجموعة من الشخصيات اليمنية البارزة، كان في مقدمتهم الأستاذ أحمد جابر عفيف، أحد مثقفي ومفكري اليمن. زار خيالنا طيف حلم جميل في مجموعة أمسيات ثقافية قدمها في مؤسسته الثقافية، وشاركه نسج خيوط هذا الحلم مجموعة من الشخصيات اليمنية البارزة، منهم عبدالواسع هائل سعيد أنعم، الذي أسس منشأة تخلد هذا الحلم الرائع “مؤسسة يمن بلا قات”.

 وبدأنا ومجموعة من المواطنين نحلم بتحقيق هذه الأمنية، وظهرت مجموعة من المبادرات والفعاليات التي تدور حول مبادرات “يمن بلا قات”. لكن للأسف، سرعان ما تلاشى هذا الهدف النبيل، لأسباب عدّة، قد يكون أبرزها عدم تبني الجهات الرسمية لهذا المشروع. فألا نعلم لماذا؟

إذا ما نظرنا إلى الأرباح المهولة التي تجنيها الجهات والأفراد المتحكمون ومزارعو القات، بالإضافة إلى إدمان أغلبية أفراد الشعب على تعاطي هذه النبتة الضارة، هنا نعرف نسبيًا مقدار الصعوبات التي تواجهنا، لاتخاذ خطوات جدّية لاجتثاث أو للحدّ من انتشار القات على هذا النحو الرهيب.

وإذا ما عدنا إلى تاريخ ظهور القات كنبتة في اليمن، فقد رجَّح أغلب المؤرخين أن ذلك تمّ قبل 15 قرناً، حينما غزا الأحباش اليمن، وإذا صحّت هذه الروايات، فالمدة المشار إليها كبيرة جدا، وهذا أيضا يزيد من صعوبة تحقيق هذا الحلم.

تتربّع شجرة القات في أعلى قائمة المزروعات اليمنية من دون منازع، ولو تطرّقنا لجملة المخاطر المترتبة عليها (ذِكْرا وليس حصرًا)، فإنه يأتي في مقدّمتها خطر شحة المياه الجوفية الذي ظهر منذ أكثر من 20 سنة، وحتى الآن لم يتمّ معالجته أو طرح خطط وآلية فعلية لتجنب هذا الخطر الذي  يهدد حوض صنعاء وإب وتعز، لاسيما غيرها من المناطق اليمنية، حيث أن خطر القات على الموارد المائية يُعدُّ الأبرز من دون منازع، فقد ذكرت إحدى الدّراسات أن رَيْ  شجرة القات بالمياه يقدّر بـ800 مليون متر مكعب سنويًا، وفقًا لتقرير منظمة الفاو. واتفق مع ذلك تقرير آخر جاء عن منظمة الصحة العالمية، ومضمون ما جاء فيه أن سقي محاصيل القات يستأثر، حسب تقرير عن الدكتور قحطان الأصبحي، بنحو 27% إلى 30% من مياه اليمن الجوفية. وفي هذا السياق، وحسب تقارير ودراسات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء، تمّت الإشارة إلى أن  استهلاك نبتة القات  للمياه يقدّر بـ800 مليون متر مكعب سنويًا، مقابل 25 ألف طن من القات.

بالإضافة إلى إهدار مخزون المياه، هناك خطر اضمحلال زراعة البن في كثير من المناطق، واستبداله بنبتة القات الخبيثة لسرعة ربحيتها، بالإضافة إلى اضمحلال زراعة بعض الفواكه التي عرفت بها اليمن، مثل العنب وغيرها من الفواكه. وقد أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن شجرت القات تسببت في تدهور الاقتصاد اليمني الضعيف أصلاً، حيث أن المزارعين يقومون باقتلاع الأشجار المثمرة ومنها أشجار البنّ، ليستبدلوها بشجرة القات، التي تعود بفوائد ربحية أكبر.

وتراوحت المساحة المخصصة لزراعة القات في اليمن، في الحقبة الممتدة من عام 1970 إلى عام 2000، بين 8000 هكتار و103000 هكتار. ويخصّص نحو 60% من الأراضي الزراعية لزراعة القات.

وإذا نظرنا للمخاطر الصحية، صنّفت منظمة الصحة العالمية القات من المواد المسكّرة التي تسبّب الهلوسة، وينتج عنها مضاعفات سلبية على الصحة. وذكرت التقارير أن القات مسؤول أيضًا عن احتشاء عضلة القلب، وارتفاع ضغط الدم، والنوبات القلبية المفاجئة، كما يُعدّ سبباً رئيسياً لانعدام الشهية والأورام الخبيثة في الفم.

كما أن لنبتة القات أضرارًا متعددة على الصحة، نشرتها  الأبحاث العلمية، والكثير من الذين يتعاطون القات يعانون من تلك الآثار، وإذا حاولنا تتبع الأسباب الجوهرية،  فسنجد أنها  تعود  للسموم الناتجة من المبيدات المختلفة التي يستخدمها المزارعون،  والتي تعدُّ سببا للإصابة ببعض السرطانات، فضلاً عن المكونات الكيميائية الضارة في النبتة ذاتها. ومن الأضرار الصحية الأخرى للقات: الأرق، وفقدان الشهية، وارتفاع ضغط الدم، و تأثيراته على الكبد والكليتين، وكذلك آثاره على صحة الأم الحامل والجنين، حيث تمّ تصنيفه مسؤول عن نقص وزن الأطفال في حال تعاطته النساء أثناء الحمل، كما أنه يسبّب الإمساك، والبواسير، والفتوق، ناهيك عن آثاره النفسية من اكتئاب واضطرابات انفعالية متعددة.

إضافة إلى ذلك، وبحسب “إحصاء الميزانية الأسرية لعام 2005 ” والتي أشارت إلى أن القات يعدُّ من أهم أسباب الفقر في اليمن، وذلك لأن الجزء الأكبر من ميزانية أغلب الأسر اليمنية تنفق عليه نسبة كبيرة من دخلها، وقد تتعدى هذه النسبة ما تنفقه الأسرة على متطلبات الحياة الأساسية من الأغذية، والأدوية، وغيرها من الاحتياجات الضرورية.

وما يثير الذهول والإحباط في ذات الوقت، أحد التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية الذي أشارت فيه إلى أن 90% من الذكور البالغين يمضغون القات طيلة ثلاث ساعات إلى أربع ساعات يومياً في اليمن. أما الإناث اللّواتي يتعاطينه فنسبتهن 50% أو أكثر، وتشير نتائج إحدى الدراسات التي أُجريت لصالح البنك الدولي، إلى أنّ 73% من النساء في اليمن يمضغن القات بشكل متكرّر نسبياً، وفي الوقت ذاته، أشار التقرير إلى نزوع 15% إلى 20% من الأطفال دون سنّ 12 عاماً إلى تعاطيه بشكل يومي أيضاً.

ختاماَ.. يمكننا القول أن ضعف دور الجهات الرسمية في معالجة هذه المشكلة المتجذرة أدّى إلى تفاقم أضرارها، وإذا ما تساءلنا كيف يمكن للجهات الرسمية أن تعالج هذه المشكلة، فيمكننا القول كأحد متخصصي التنمية، إنه إذا ما تبنت الجهات الرسمية هذا المشروع الوطني “يمن بلا قات” بشكل فعلي، لأمكنها إيجاد الحلول الناجعة له على سبيل المثال:

  • منع زراعة القات بشكل تدريجي، واستبدله بمحاصيل أساسية أخرى مثل القمح والشعير والبن والفواكه.
  • تقديم دعم مباشر للمزارعين في هذا الصّدد، وبشكل مكثَّف عبر مجموعة من المشاريع والبرامج التنموية والتوعوية اللازمة.
  • استيراد القات من دول أخرى مثل الصومال أو أثيوبيا وبرسوم جمركية رمزية والذي سيساهم في الحدّ من ردود أفعال متداولي ومتعاطي القات.
  • الأهم مما سبق التركيز على النشأ، بإدخال مقرر البيئة لكافة أنواع التعليم كمتطلب أساسي، فيه يتم تناول القات وأضراره الصحية والبيئة والاقتصادية، بالإضافة إلى التوعية بأهمية إبدال القات بالبن والفاكهة والقمح على مستوى الاكتفاء الذاتي والاقتصاد.
  • فتح نوادٍ رياضية للنشأ والشباب برسوم رمزية.
  • بالإضافة إلى اشراك كافة وسائل الاعلام ببرنامج توعوي عن أضرار القات على الزراعة والبيئة والصحة والاقتصاد الأسري.

‫شاهد أيضًا‬

الوضع الصحي في اليمن… إلى أين؟

صوت الأمل – علياء محمد رغم التطور في البنية التحتية للقطاع الصحي في اليمن، الا ان النظام ا…